لبنانون فايلز - 6/4/2026 10:43:09 AM - GMT (+2 )
في الليلة التي سبقت تصويت الكنيست على حلّ نفسه، سجّلت المكالمة الهاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جدالاً متوتّراً. وبّخ ترامب "بيبي" واصفاً إياه بالمجنون، ونكزه بأنه لولاه لكان حبيس السجن. رجلٌ في تل أبيب يصرخ محذّراً من تداعيات اتفاقٍ يُطبخ مع طهران، ورجلٌ في واشنطن يردّ بأن المفاوضات شأنه.
يختصر المشهد انقلاباً كبيراً. قبل ثلاثة أشهرٍ فقط، حين انطلقت الطائرات الأميركية والإسرائيلية معاً لتضرب إيران، بدا الرجلان شريكين في صناعة التاريخ. اليوم، أحدهما يصنع التسوية، والآخر يُبلَّغ بها.
من أزمة نتنياهو إلى أزمة إسرائيل
كان نتنياهو قد ردّد سابقاً أنه "عندما تكون إيران في أضعف حالاتها، تكون إسرائيل في أقوى حالاتها". المفارقة أن إيران وهي في أضعف حالاتها، وجدت نفسها على طاولة تفاوض تُدار من واشنطن، بينما إسرائيل "المنتصرة" عسكريّاً تقف خارج الباب تطرق طلباً للطمأنينة.
تكاد الصحافة الإسرائيلية تُجمع على توصيفٍ واحد لمجريات الأمور: الإقصاء. فالمفاوضات تجري بحسب "تايمز أوف إسرائيل" بـِ "إبعادٍ شبه كامل" لإسرائيلي عن غرفة القرار، وأنه لم يعد المطلوب من إسرائيل أن تنتصر، بل أن تبحث عن ضماناتٍ يكتبها لها غيرها. زعيم المعارضة يائير غولان أدلى بدوله أيضاً قائلاً إن إقصاء إسرائيل "عارٌ لا يُتصوَّر".
ثمّة مزاج عام بدأ يتسلّل إلى صميم المعسكر نفسه الذي صنع نتنياهو. الرجل الذي بنى مجده على صورة السيد الذي يقود واشنطن من خلف الكواليس، بدا فجأةً كمن يُقاد، بعد أن سجلت الأيام الأواخر من شباط/ فبراير الماضي، إحدى لحظاته الذهبية وهو يحتفي مع ترامب بـِ "تحالف لا ينكسر". ثلاثة أشهرٍ كانت كافية ليتحوّل التحالف من شراكةٍ في القرار إلى وصايةٍ عليه. أدرك ترامب أن سردية "بيبي يحرك الرئيس الأميركي كما يحرك الكلبُ ذيله" قد أضرته داخلياً، فانطلق بدوافع تريد أن تُظهر للعالم وللناخبين أنه هو مَن يُمسك العصا. ثم وجد أنه مدفوعٌ إلى خطابٍ مثيل بحكم الضرورة إثر ضغط الواقع أيضاً.. الواقع الذي لن يسمح ترامب وفقاً لمجرياته لإسرائيل أن تكون عبئاً عليه، أو حجر عثرة.
أوردت صحيفة" فورين بوليسي" مؤخراً أن إيران ستخرج من الحرب بمكاسب اقتصادية ملموسة من قبيل فتح مضيق هرمز مقابل تخفيفٍ للعقوبات، وإبقاء مخزونها من اليورانيوم وبرنامجها الصاروخي وشبكة حلفائها خارج التفكيك الكامل. مقال آخر في "وول ستريت جورنال" حذّر صراحةً من إنقاذٍ اقتصاديّ لطهران، معتبراً أن فترة الهدنة قد تنقلب إلى نكسة استراتيجية. أما في الداخل الإسرائيلي، فالخلاصة المرّة تتلخص في جملةٍ تناقلتها الأقلام، كلٌّ على طريقته: "الرجل الذي زعم أنه ينقذ إسرائيل من اتفاقٍ سيء، قادها إلى اتفاقٍ أسوأ". هكذا قد يتقزّم الإنجاز العسكريّ إلى تسوية سياسية لا تشبه ما وُعد به الإسرائيليون. غير أن القضية اليوم باتت تتجاوز نتنياهو نفسه. السؤال الذي تكشفه الأزمة الحالية يتمركز حول ما إذا كانت إسرائيل كلها قد اصطدمت بحدود قدرتها على فرض رؤيتها حين تختلف مع واشنطن. الحديث في جوهره هو عن صراع الإرادات الحقيقي بين الحليفين.
حين يصبح المنتصر العسكري خارج غرفة القرار
وفي دائرة الإرادات، لا يكتفي ترامب بإدارة صفقة إيرانية أميركية محتملة. هو يحوّل إسرائيل عملياً إلى ورقةٍ في مشروعه الأوسع، فقد ربط جهوده في ملف إيران بطلب إلزامي وجّهه إلى دول إسلامية للانضمام إلى "اتفاقات أبراهام"، كأنما التطبيع مكافأة يمنحها هو لا إنجاز تصنعه تل أبيب. إسرائيل لا تكتب الشروط، هي تُدرَج فيها. هذا يعني بوضوح أنها في موقع التابع الذي "سيرتقي" مؤخراً صُوَرياً إلى موقع الرهينة. طوال عقدين، باع نتنياهو نفسه للناخب الإسرائيلي بوصفه الرجل الوحيد القادر على لجم إيران، والزعيم الذي يخاطب الكونغرس فوق رأس الرئيس الأميركي، الذي لا يستجدي القرار بل يصنعه. على هذه الصورة بنى خلوده السياسي. ولذلك فإن انكشاف التبعية اليوم هو طعنةٌ في صميم الأسطورة الشخصية التي عاش عليها. وقد يُذكر في التاريخ لا بوصفه من كسر إيران، بل بوصفه من أوصل بلاده إلى طاولة أُقصيت عنها!
على أن الأخطر من مصير رجلٍ هو مصير صورة. بنت إسرائيل ردعها على فكرة أنها لاعبٌ لا يُقرَّر مصيره من فوق . صورة كانت رأس مالها الاستراتيجي في محيطٍ يقرأ موازين القوى جيداً ويبني على أساسها. وحتى لو ظلّ التنسيق بين واشنطن وتل أبيب قائماً عند مستويات مرتفعة، فإن الصورة التي انطبعت في الإقليم خلال الأشهر الأخيرة، هي صورة خلافٍ ظهر إلى العلن بهذا القدر من الوضوح. وفي السياسة، كثيراً ما تكون الصورة جزءاً من الوقائع نفسها، لأنها تؤثر في كيفية قراءة الخصوم والحلفاء لموازين القوة. وحين يرى هذا المحيط أن إسرائيل تُقصى عن مفاوضاتٍ تخصّ أمنها، وأنها تطلب ضمانات بدل أن تفرض شروطاً، وأن رئيس الحكومة فيها يُوبّخ حد "البهدلة"، فإن شيئاً في معادلة الرهبة سيتزحزح حتماً، وما لذلك من مآلات..
خيارات نتنياهو الضيقة
أمام نتنياهو في لحظته المفارقة هذه طريقان. أوّلهما الهروب إلى الأمام من قبيل تصعيد جديد على جبهةٍ يملك فيها هامشاً كلبنان، ليعيد تقديم نفسه رجل الأمن الذي لا غنى عنه، ويؤجّل الحساب الانتخابي بدخان معركةٍ جديدة. وثانيهما أن يبتلع أي صفقة جديدة على مضض، فيراهن على أن الوقت يُنسي الناخب الإسرائيلي مرارة الإقصاء. وكلا الطريقين محفوفٌ بالكلفة: الأول يستنزف ما تبقّى من رصيد الردع، والثاني يضعه تحت رحمة صناديق الاقتراع.
حدود النفوذ الإسرائيلي في واشنطن
على أن التبعية الإسرائيلية ليست أحاديةً تماماً، فترامب نفسه يحتاج إلى صورة الراعي لا الآمر، ويظل للوبي الإسرائيلي ولحسابات السياسة الأميركية الداخلية هامشٌ يمنح تل أبيب بعض الأوراق المتبقّية، لكن هذه الأوراق تشتري وقتاً أكثر من كونها تصنع قراراً. وحين تتعارض الإرادتان في لحظةٍ مفصلية كاللحظة الراهنة، فإن من يقرّر متى يُغمد السيف هو من يملك الكلمة الأخيرة، ومن يملكها اليوم هو ساكن البيت الأبيض، ليس لأن إسرائيل بلا حول، لكن حولها بات مشروطاً برضا حليفها، والفيتو الإسرائيلي الذي لطالما أوقف المبادرات تحوّل إلى اعتراضٍ مسموعٍ غير نافذ، على الرغم من أن الخلافات بين واشنطن وتل أبيب ليست أمراً استثنائياً، وأن التحالف بينهما ما زال الأوثق في المنطقة، مدعوماً بتنسيقٍ عسكري واستخباري وسياسي يصعب مقارنته بأي علاقة أخرى. لكن المسألة لا تتعلّق بوجود الخلاف من عدمه، بل بما يحدث عندما يصل الخلاف إلى لحظة قرارٍ مصيري، لكون التحالفات تُختبر عند نقاط التباين لا عند نقاط التوافق. وما يتمظهر اليوم في العلن من تباين قد يكون مؤشراً إلى تحوّل أعمق في موقع إسرائيل داخل الحسابات الأميركية نفسها. فعلى امتداد عقود، كانت مصالح واشنطن الإقليمية تُقرأ غالباً من بوابة الأمن الإسرائيلي. أما اليوم، فيبدو أن إسرائيل باتت واحدة من ملفات مشروع أوسع لا مركزه الوحيد. التسوية مع إيران، أمن الممرات البحرية، "اتفاقيات أبراهام"، والعلاقات مع دول الخليج.. كلها مسائل تُدار ضمن سلّة واحدة تتجاوز الاعتبارات الإسرائيلية الصرفة. وإذا صح ذلك، يغدو الاستفهام بديهياً عما إذا كانت إسرائيل لا تزال تحتفظ بالموقع الذي خوّلها طويلاً التأثير في شكل القرار الأميركي.
الخبر الحقيقي بعد الحرب
إسرائيل بالرغم من تفوقها العسكري بات من الصعب عليها أن تتصالح مع كونها رهينة قرار "الأخ الأكبر" في اللحظات المفصلية. من يخلف نتنياهو سيرث المعضلة ذاتها، وتلك زبدة الزبدة. ذلكَ هو الخبر الحقيقي في هذه اللحظة الشرق أوسطية. ما حدود القوة الإسرائيلية حين لا تتطابق إرادتها مع إرادة الولايات المتحدة؟ ذلك الفضاء من الإجابة هو الواقع المؤسِّس الذي خرج من تحت ركام الحرب.
ملاك عبد الله - المدن
The post صراع الإرادات بين واشنطن وتل أبيب: من يملك القرار الأخير؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.
إقرأ المزيد


