اتفاق محتمل "بلا عائد".. ماذا بقي من إيران بعد الحرب؟
لبنانون فايلز -

تبدو طهران اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى تفاهم جديد مع واشنطن، وسط حديث متصاعد عن اتفاق مرحلي يخفف الضغوط الاقتصادية ويمنح إيران متنفسًا ماليًّا سريعًا بعد أشهر من الحرب والتصعيد الإقليمي.

لكن داخل مراكز الأبحاث الغربية والدوائر السياسية المتابِعة للملف الإيراني، لم يعد السؤال الأهم يتعلق بإمكانية توقيع اتفاق جديد، بل بقدرة إيران نفسها على الاستفادة منه.

فخلال السنوات الماضية، لم تخسر إيران جزءًا مهمًّا من نفوذها الإقليمي فقط، بل دخلت أيضًا في مرحلة إنهاك اقتصادي وتآكل داخلي وصراع متزايد بين أجنحة النظام؛ ما جعل الأزمة أعمق بكثير من مجرد عقوبات يمكن رفعها أو تخفيفها.

اقتصاد مُنهَك

رغم أن طهران لا تزال تراهن على أيِّ انفراج اقتصادي محتمل، ترى مراكز أبحاث غربية أن المشكلة الإيرانية تجاوزت منذ فترة طويلة مسألة العقوبات وحدها.

فوفق تقديرات صادرة عن معهد الشرق الأوسط في واشنطن، خلّفت الحرب الأخيرة خسائر ضخمة في البنية الاقتصادية الإيرانية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد ،أصلًا، تراجعَ الاستثمار، وتآكلَ القدرة الشرائية، وضعفَ الثقة الداخلية والخارجية بالسوق الإيرانية.

أما معهد تشاتام هاوس البريطاني، فيشير إلى أن الاقتصاد الإيراني دخل مرحلة "الاختلال البنيوي"، إذ لم تعد المشكلة في نقص الموارد فقط، بل في طبيعة النظام الاقتصادي نفسه، القائم على شبكات موازية ومؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري وأجنحة النفوذ داخل الدولة.

وبحسب الخبير الإستراتيجي محمد يوسف النور، فإن "أيّ اتفاق جديد قد يمنح طهران وقتًا إضافيًّا، لكنه لن يحل الأزمة الأساسية؛ لأن الاقتصاد الإيراني لم يعد يعاني فقط العقوبات، بل مِن نموذج حكم استنزف الدولة نفسها".

ويضيف النور لـ"إرم نيوز" أن "المشكلة الأعمق اليوم هي غياب الثقة. المستثمر الإيراني نفسه بات يبحث عن الهروب إلى الخارج، بينما تتوسع السوق الموازية ويتراجع دور المؤسسات الرسمية".

النفوذ يتراجع.. والكلفة ترتفع

لم تكن قوة إيران خلال العقدين الماضيين قائمة على الاقتصاد فقط، بل على شبكة نفوذ إقليمية واسعة امتدت من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن. لكن الحرب الأخيرة وما سبقها من استنزاف طويل غيّرا جزءًا كبيرًا من المشهد.

فوفق تقديرات مراكز دراسات أمريكية وأوروبية، أصبحت كلفة الحفاظ على النفوذ الإقليمي أعلى بكثير من قدرة طهران على تمويله وإدارته، خاصةً مع الضغوط الاقتصادية الداخلية وتغير أولويات بعض الحلفاء الإقليميين.

كما أن جزءًا من "محور المقاومة" نفسه بات يعيش أزمات داخلية معقدة، من لبنان إلى العراق؛ ما جعل إيران تنتقل تدريجيًّا من موقع "القوة الصاعدة" إلى موقع الدفاع عن ما تبقى من نفوذها.

ويرى محمد يوسف النور أن "إيران كانت تستفيد سابقًا من هشاشة الإقليم والفراغ العربي، لكن المنطقة تغيّرت اليوم، وهناك قوى إقليمية ودولية تحاول إعادة تشكيل التوازنات بطريقة تقلّص هامش الحركة الإيراني".

ويضيف أن "طهران قد تنجح في توقيع اتفاق، لكنها لم تعد تملك البيئة الإقليمية نفسها التي كانت تسمح بتحويل الاتفاقات إلى نفوذ سياسي وإستراتيجي".

الصراع داخل النظام

لكن التحدي الأخطر أمام إيران قد لا يكون اقتصاديًّا أو إقليميًّا فقط، بل داخليٌّ أيضًا. فخلال الأشهر الماضية، تصاعد الحديث داخل الصحافة الإيرانية والغربية عن خلافات متزايدة بين أجنحة النظام، خصوصًا بين التيار المرتبط بالحرس الثوري والتيارات التي ترى أن استمرار الصدام المفتوح مع الغرب بات يهدد استقرار الدولة نفسها.

كما كشفت الحرب الأخيرة حجم التوتر داخل المؤسسات الإيرانية، بعد الانتقادات التي طالت الأداء الأمني والاستخباراتي والعسكري، وحديث بعض المسؤولين السابقين عن "اختراقات غير مسبوقة" داخل الدولة.

وترى مراكز أبحاث غربية أن أخطر ما تواجهه إيران اليوم ليس فقط تراجع النفوذ أو الأزمة الاقتصادية، بل تآكل قدرة النظام على إنتاج توافق داخلي مستقر حول شكل المرحلة المقبلة.

ويقول الخبير محمد يوسف النور إن "النظام الإيراني لم يعد يتحرك ككتلة متماسكة بالكامل كما كان يُقدَّم سابقًا.

هناك صراع واضح حول الأولويات: هل تبقى الأولوية للمشروع الإقليمي، أو لإنقاذ الداخل الإيراني؟".

اتفاق بلا عائد

المفارقة أن طهران تبدو اليوم بحاجة إلى الاتفاق أكثر من أيِّ وقت مضى، لكن قدرتها على تحويله إلى استعادة إستراتيجية شاملة تبدو أقل من أي وقت منذ سنوات. فالعالم تغيّر، والإقليم تغيّر، وحتى الداخل الإيراني نفسه لم يعد مستقرًّا كما كان.

لهذا، لم يعد السؤال الحقيقي: هل ستوقع إيران اتفاقًا جديدًا، بل، ماذا تبقّى في إيران لكي تحصل الاستفادة أصلاً من هذا الاتفاق؟
لأن المشكلة بالنسبة إلى طهران لم تعد فقط في العقوبات، بل في الدولة نفسها.

ارم نيوز

اتفاق محتمل "بلا عائد".. ماذا بقي من إيران بعد الحرب؟

 

The post اتفاق محتمل "بلا عائد".. ماذا بقي من إيران بعد الحرب؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد