لبنان وتداعيات اضطراب اقتصادات الخليج
لبنانون فايلز -

خلال الحرب الراهنة، تعمّق واتّسع نطاق الأضرار التي طالت قطاع الطاقة في منطقة الخليج، ذلا تأثيرات استراتيجيّة ستمتدُّ لفترةٍ طويلة. في أسوأ السيناريوهات، تُقدّر وكالة الطاقة الدوليّة انخفاض إنتاج النفط في الشرق الأوسط بنسبة 70 بالمئة، بينما ستحتاج المنطقة إلى أشهر لاستعادة معدلات الإنتاج السابقة، بسبب الحاجة لترميم البنية التحتيّة وإعادة تشغيلها، فضلاً عن استعادة الثقة بسلامة سلاسل التوريد وإعادة ترتيب التوازنات الجيوسياسيّة. أمّا على مستوى إنتاج الغاز بالتحديد، ستضطر الأسواق إلى انتظار فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، لإصلاح الأضرار التي لحقت بالمنشآت القطريّة، وفقًا لتقديرات شركة قطر للطاقة. وكل هذه المعادلات، ستنعكس على جميع المؤشّرات الماليّة والاقتصاديّة في منطقة الخليج.

لن يكون لبنان بمنأى عن التداعيات الاقتصاديّة، لما يحدث حاليًا في دول الخليج العربيّة. وهذه التداعيات ترتبط بجملة من العوامل، مثل حجم الجاليّة اللبنانيّة الموجودة في تلك الدول، واعتماد لبنان على التحويلات الواردة من هناك، وتأثّر حجم هذه التحويلات بالأوضاع الاقتصاديّة في تلك الدول. وعلى المدى الأبعد، ثمّة تساؤلات حول تأثير هذه الأوضاع المستجدة، على مستوى مساهمة دول الخليج في جهود إعادة الإعمار بعد الحرب، أو في مسار إعادة الانتظام المالي، وفقًا للرهانات المعروفة التي كانت قائمة قبل بدء التصعيد في أواخر الشهر الماضي. وبطبيعة الحال، سيكون من المهم ترقّب ودراسة هذه التحوّلات المرتقبة، لمعرفة التحديات التي تنتظر الاقتصاد اللبناني مستقبلاً.

التداعيات على التوازنات النقديّة

ليس هناك حاجة للتذكير بالدور المركزي الذي تلعبه تحويلات المغتربين، في الحفاظ على التوازنات النقديّة في بلدٍ شديد الاعتماد على الاستيراد، وفي ظلّ أزمة ماليّة لا تسمح باستقدام السيولة عبر الاستثمار الخارجي المباشر. خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، بلغ الحجم الدقيق لهذه التحويلات الواردة نحو 4.87 مليارات دولار أميركي، وفقًا لأرقام مصرف لبنان، فيما يُقدّر حجمها الإجمالي عند مستوى يتراوح بين 6.5 و7 مليارات دولار أميركي على أساس سنوي.

ومن الطبيعي الإشارة إلى أنّ هذه التحويلات الواردة أسهمت في تلبية الحاجة للعملة الصعبة، في مقابل عجز الميزان التجاري، الذي بلغ قرابة 17.44 مليار دولار أميركي العام الماضي. ومن المهم التذكير أيضًا بأنّ حجم هذه التحويلات يوازي ربع حجم الاقتصاد الإجمالي اللبناني، ما يؤشّر على أهميّتها، بعد تقلّص الناتج المحلّي خلال السنوات الماضية بفعل الأزمة القائمة.

تُعتبر منطقة الخليج أبرز الوجهات الجغرافيّة، التي تحتضن كتلة ضخمة يقارب حجمها النصف مليون مغترب لبنانيّ. وأهميّة هذا التكتّل الاغترابي لا تقتصر على العدد الكبير فقط، بل على مستويات الدخل المرتفعة، والصلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة القويّة بالداخل اللبناني، مُقارنة بالدول الغربيّة التي تفتح بابًا واسعًا لتوطين وتجنيس المغتربين لديها. باختصار، ثمّة خصوصيّة تاريخيّة تربط أوضاع المغتربين في دول الخليج، بالأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في لبنان. بل يمكن القول أيضًا إنّ مداخيل اللبنانيين المغتربين في دول الخليج، شكّلت رافدًا قويًا للقطاع العقاري في لبنان، الذي استوعب مدّخراتهم حتّى بعد حصول الأزمة المصرفيّة منذ العام 2019.

خلال السنوات الماضية، تذبذب حجم التحويلات الواردة إلى لبنان، بالتناسب والتوازي مع أوضاع الدول التي تحتضن اللبنانيين المغتربين، نظرًا لارتباط مداخيل هؤلاء المغتربين بالظروف الاقتصاديّة هناك. فعلى سبيل المثال، وخلال العام 2020، تراجع حجم التحويلات الواردة بنسبة تقترب من 16 بالمئة، بفعل كورونا، وما صاحبها من تدهور في أسعار النفط والغاز. وخلال السنوات التالية، عاد حجم هذه التحويلات ليتعافى تدريجيًا، بالتوازي مع التحسّن التدريجي في الأوضاع الاقتصاديّة في دول الاغتراب.

بهذا المعنى، من المتوقّع أن تتراجع التحويلات الواردة بفعل أي اضطرابات أو تراجعات اقتصاديّة محتملة في دول الخليج العربيّة، على خلفيّة الأحداث الراهنة. مع العلم أنّ التداعيات الماليّة والاقتصاديّة قد تحتاج لأسابيع قبل أن تظهر معالمها بوضوح، مع تراجع الإيرادات العامّة التي تعتمد على تصدير النفط والغاز، في دول الخليج العربية. أمّا على المدى الأبعد، فستظهر تداعيات أخرى، كتراجع حجم فرص العمل المتاحة في تلك الدول أمام الشباب اللبناني، وربما اضطرار جزء من الجالية اللبنانيّة للعودة اضطراريًا إلى بلدها، في حال طال أمد الاضطراب السياسي والاقتصادي.

حجم الدعم الخارجي

قبل حصول التصعيد في منطقة الخليج، كانت السلطات اللبنانيّة تراهن على التوصّل لاتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي بحلول فصل الربيع الآتي، بمجرّد إقرار التعديلات على قانون إصلاح المصارف. وكان من المفترض -بحسب هذه الرهانات- أن يلي ذلك التوصّل إلى اتّفاق نهائي مع الصندوق، بموازاة إقرار قانون الفجوة الماليّة في البرلمان، بعدما أنجزت الحكومة مشروع القانون في وقتٍ سابق.

الاتفاق مع الصندوق، كان سيتيح تنظيم مؤتمر للمانحين، لتأمين الدعم المالي الخارجي، المخصّص لدعم جهود إعادة الانتظام المالي. كما كان من المنتظر أن يتوازى ذلك أيضًا مع تأمين التمويل الخارجي لصندوق إعادة الإعمار، المربوط بشروط تتعلّق بالإصلاحات الماليّة والتوصّل إلى تسوية نهائيّة بخصوص مسألة سلاح حزب الله. وكانت الدبلوماسيّة الفرنسيّة بالتحديد الأكثر نشاطًا، على خط التخطيط لهذا المؤتمر، وهو ما يفسّر مواكبتها لجميع مسارات الإصلاح المالي، بما فيها مشروع قانون الفجوة الماليّة.

بعد التصعيد الأخير، ثمّة الكثير من التساؤلات حول حجم المساهمة المرتقبة من دول الخليج، خصوصًا إذا أدّت الضغوط الاقتصاديّة إلى ضغوط موازية على مستوى الماليّة العامّة لهذه الدول. مع الإشارة إلى أنّ دول الخليج ساهمت -مجتمعةً- في أعقاب حرب العام 2006 بنحو 3.5 مليار دولار أميركي، في عمليّة إعادة الإعمار، ما شكّل يومها نحو نصف حجم المساعدات الخارجيّة التي تلقّاها لبنان.

جميع هذه التساؤلات، تصب في خانة واحدة: معرفة التحديات الماليّة والاقتصاديّة التي ستنتظر لبنان، والتي قد تنتج عن إطالة أمد النزاع في منطقة الخليج العربي، أو عن أي اضطراب اقتصادي محتمل جرّاء هذا النزاع. وهذا ما يفترض أخده بعين الاعتبار، عند التخطيط للسياسات العامّة التي ستتعامل مع واقع ما بعد الحرب الراهنة.

علي نور الدين - المدن

The post لبنان وتداعيات اضطراب اقتصادات الخليج appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد