لبنانون فايلز - 3/21/2026 6:31:54 AM - GMT (+2 )
دخلت الحرب أخطر مراحلها يوم أمسٍ الأربعاء، مع الهجوم الذي نفذّته إسرائيل على حقل بارس الجنوبي في إيران، والذي يلعب دورًا مركزيًا في منظومة الطاقة المحليّة هناك. فبعد أن تعرّضت خطوط إمداد النفط والغاز للتعطيل في منطقة مضيق هرمز، بفعل التصعيد، انتقل الصراع منذ يوم أمس إلى مرحلة ضرب البنى التحتيّة الإنتاجيّة والحيويّة، وخصوصًا بعدما صعّدت إيران لترد باستهداف منشآت رأس لفّان القطريّة، وحبشان الإماراتيّة، ومصفاة ميناء الأحمدي الكويتيّة، فضلاً عن ميناء ينبع على شواطئ البحر الأحمر، منفذ التصدير النفطي الوحيد المُتاح حاليًا في المملكة العربيّة السعوديّة.
وبطبيعة الحال، سيكون لهذه الأحداث تداعيات أشد خطورة من تأثيرات المرحلة السابقة، على مستوى إعادة تشكيل أسواق الطاقة الدوليّة.
حقل بارس الجنوبي
يُعتبر حقل بارس الجنوبي، الشطر الإيراني، من أكبر خزّانات الغاز الطبيعي في العالم، حيث تستحوذ قطر على الشطر المتبقي من هذا الخزّان العملاق. وفيما تبلغ مساحة الخزّان، على امتداد الدولتين، قرابة 9700 كيلومتر مربّع، تستحوذ إيران على نحو 38 بالمئة من هذه المساحة، بينما يقع الجزء المتبقي في المنطقة الاقتصاديّة الخاصّة بقطر. مع الإشارة إلى أنّ الجزء القطريّ من هذا الخزّان يُعرف محليًا هناك بإسم "حقل الشمال"، كما يلعب دورًا مركزيًا في منظومة إنتاج الغاز المُسال في تلك الدولة الخليجيّة.
لفهم الدور الذي يلعبه حقل بارس الجنوبي في إيران، تكفي الإشارة إلى ارتباطه بـ13 مصفاة جرى تطويرها على مدى أكثر من 27 سنة، أي منذ تشغيل الحقل في تشرين الأوّل 1998. وأحدث الأرقام الصادرة عن السلطات الإيرانيّة تفيد بأنّ الحقل تمكّن من إنتاج 727 مليون متر مكعّب من الغاز في شهر كانون الثاني، قبل أن يُسجّل زيادة محدودة في الإنتاج، إلى مستوى 730 مليون متر مكعّب في شهر شباط. وتجدر الإشارة إلى أنّ إيران كانت تعوّل مؤخرًا على تطوير الحقل لزيادة حجم الإنتاج، عبر حفر أكثر من 35 بئر جديدة فيها، على مدار 3 سنوات، لمعالجة أزمة انقطاع الكهرباء ونقص إمدادات الطاقة محليًا.
غير أنّ أهميّة هذا الحقل لا ترتبط بمعادلات العرض والطلب الدوليّة، بقدر ما ترتبط بمعادلات الاستهلاك المحلّي. فكميّة التصدير، من الإنتاج الإجمالي، لم تتجاوز خلال الفترة الماضية نسبة 6 بالمئة، ما يقلّص من تأثير ضربات يوم أمس على الأسواق الدوليّة. لكنّ مشكلة إيران ستكمن في نقص الإمدادات المحليّة، بفعل الضربة الإسرائيليّة، كون مصافي حقل بارس مسؤولة عن تأمين 75 بالمئة من احتياجات السوق المحلّي من الغاز الطبيعي. وتوقّف هذه الإمدادات، سيعني بديهيًا تفاقم أزمة انقطاع الكهرباء، التي عانت منها إيران طوال السنوات الماضية.
بهذا المعنى، وعلى المدى القصير، ستفاقم الضربات من اختلالات سوق الطاقة المحلّي في إيران. أمّا على المدى الأبعد، فمن المبكر جدًا تقدير قيمة وحجم الخسائر الماديّة، كما من المبكر تقدير حجم الاستثمارات المطلوبة لتعويض الأضرار وإعادة الإنتاج. إلا أنّ إيران ستعاني بطبيعة الحال من مشكلة العقوبات، التي ستمنع الشركات الأجنبيّة من الدخول والاستثمار وإعادة التشغيل، كما ستمنع الحكومة الإيرانيّة من تأمين الموارد اللازمة لإصلاح الوضع بالإمكانات الذاتيّة. مع الإشارة إلى أنّ مشكلة العقوبات بالتحديد هي ما منع الحكومة الإيرانيّة سابقًا من تطوير الحقل إلى مستويات أكثر فعاليّة، عبر زيادة الإنتاج وتسييل نسبة أكبر منه لتصديره.
حقل الشمال القطري
تختلف، وبشكلٍ جذريّ، تداعيات تعطيل سلاسل إمداد الغاز القطري. فمدينة رأس لفان الصناعيّة في قطر، المرتبطة بمعالجة وتصدير إنتاج حقل الشمال هناك، لا تمثّل ركيزة أساسيّة في منظومة الإنتاج القطريّة فقط، بل تشكّل عمليًا "رئة" لا يمكن الاستغناء عنها على مستوى أمن الطاقة العالمي. ويمكن القول إنّ هذا المجمّع يمثّل أكبر منظومة متكاملة لإنتاج وتسييل وتصدير الغاز في العالم.
ومن المعلوم أنّ مدينة رأس لفّان الصناعيّة في قطر تعرّضت يوم أمس لهجوم إيراني مباشر، ما أسفر عن حرائق نجمت عنها "أضرار جسيمة" في المنشآت، بحسب توصيف وزارة الداخليّة القطريّة. وجاء هذا الهجوم بالرغم من إعلان قطر وقف إنتاج الغاز المسال منذ 2 آذار الماضي، وإعلانها "حالة القوّة القاهرة" التي تسمح بتجميد موجباتها التعاقديّة، ووقف تسليم شحنات الغاز المُتفق عليها.
وستمثّل الأحداث الراهنة في قطر زلزالًا لا يمكن التقليل من أثره، على مستوى أسواق الغاز الدوليّة. فهذه الدولة الخليجيّة كانت مسؤولة، قبل الحرب، عن تأمين خُمس صادرات الغاز المُسال العالميّة، أي أنّ واحدة من كل خمس شحنات من الغاز المُسال العالميّة كانت تأتي من قطر. وبعد إعلان القوّة القاهرة، من قبل شركة قطر للطاقة، حُرمت الأسواق العالميّة من هذه الإمدادات الحيويّة.
على مستوى المشترين، تكمن المشكلة بارتباط معظم شحنات الغاز المُسال بعقود توريد طويلة الأجل، ما يحرم قطاعات صناعيّة واسعة في جميع أنحاء العالم من واردات كانت متوقّعة بموجب تفاهمات مسبقة. وبمجرّد انقطاع هذه الواردات، سيكون على المشترين التعويض، وإعادة هندسة محافظهم وعقودهم، عبر شراء شحنات بديلة بموجب عقود فوريّة في السوق المفتوحة. وهذا بالضبط ما يؤدّي إلى قفزات قاسية ومتتالية في الأسعار، بفعل تزاحم المشترين على عدد محدود من العقود الفوريّة المتاحة في السوق.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأسواق الآسيويّة ستكون الأكثر تأثّرًا بفعل انقطاع إمدادات الغاز القطريّة، ووقف تسليم شحنات الغاز المُتفق عليها. فخلال العام الماضي، استحوذت الصين على 19.89 بالمئة من صادرات الغاز المسال القطري، مقارنة بـ 11.59 بالمئة لمصلحة الهند، و8.05 بالمئة لتايوان، و6.97 لكوريا الجنوبيّة، و6.63 بالمئة لباكستان. وعليه، سيكون على هذه الدول الاستعاضة عن الإمدادات القطريّة، التي كانت تتأتّى بموجب عقود تسليم مسبقة، بإمدادات مرتفعة الثمن من السوق المفتوحة. لكن المقابل، سيؤدّي تسابق المشترين على هذه العقود إلى ارتفاع الأسعار في جميع أنحاء العالم بدون استثناء، وهذا ما يفسّر ارتفاع أسعار الغاز صبيحة اليوم الجمعة بنسبة 30 بالمئة، بعد الضربة التي تعرّض لها مجمّع رأس لفّان يوم أمس.
علي نور الدين- المدن
The post الحرب في أخطر مراحلها: استهداف منظومات إنتاج الغاز appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.
إقرأ المزيد


