الأسعار تُحلّق... فهل تُلغى ضريبة الـ300 ألف؟
لبنانون فايلز -

أشعلت الحرب الإيرانية - الأميركية، التي تدور غالبيتها عند مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 25% من حاجات العالم النفطية والغازية، أسعار النفط عالمياً، ما انعكس فوراً على السوق اللبنانية، فاشتعلت محلياً أسعار المحروقات الملتهبة أصلاً، والتي لم تخرج بعد من صدمة رسم الـ300 ألف ليرة الذي أضافته الحكومة إلى سعر صفيحة البنزين، بهدف تأمين إيرادات إضافية لتمويل زيادات رواتب القطاع العام، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذه الزيادات على حماية القدرة الشرائية لهؤلاء.

ويمتد تأثير ارتفاع المحروقات إلى النقل العام والخاص، والشحن الداخلي والخارجي، إلى جانب الكلفة الباهظة لإنتاج وتوزيع كهرباء المولدات الخاصة، التي باتت، وفق مقاييس الاستهلاك في لبنان، ثاني أكبر فاتورة شهرية بعد الإيجار السكني.

وإن كان ارتفاع أسعار المحروقات أزمة إضافية تثقل الاقتصاد، فإنه يشكل أيضاً اختباراً جديداً لقدرة قطاع الخدمات، المؤسسات السياحية، والصناعة السياحية، ومعهما الصناعة اللبنانية، على مواجهة أزمة مثلثة الأضلاع، أولها، تصاعد كلفة الخدمة والإنتاج، وثانيها وقف التصدير الى دول الخليج، وآخرها انكماش السوق اللبنانية المترافق مع ضمور القدرة الشرائية للمواطنين.

القطاع الصناعي يبدو الأكثر هشاشة، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على كهرباء مولداته الخاصة المرتفعة الكلفة بسبب التقنين الكهربائي، فضلاً عن الأعباء الإضافية المرتبطة بتكاليف النقل وبدلات انتقال العاملين.

مصادر في وزارة المال أكدت أنه "لا نيّة حالياً للتراجع عن الضريبة البالغة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، باعتبار أن التراجع عنها سيؤدّي إلى صعوبة في تأمين الإيرادات اللازمة لرواتب القطاع العام". وربطت وقف القرار بقبول الطعن المقدم أمام مجلس شورى الدولة.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق مالي دقيق، إذ منذ 2019 تراجعت رواتب بعض موظفي القطاع العام إلى نحو 100 دولار شهرياً بعد انهيار سعر الصرف، وانخفضت موازنة الدولة من نحو 19 مليار دولار قبل الأزمة إلى بين 4 و4.5 مليارات دولار، قبل أن ترتفع تدريجاً إلى نحو 6 مليارات. أمام ضغط موظفي القطاع العام والمتقاعدين، اعتمدت الحكومة سيناريو إصلاحياً بكلفة سنوية نحو 800 مليون دولار لتمويل الزيادات، مقابل إيرادات إضافية تقدر بنحو 600 مليون دولار، ما يترك فجوة تقارب 200 مليون دولار يُفترض سدّها عبر تحسين الجباية وتعزيز الإيرادات.

غير أن هذه المعادلة المالية تتقاطع مع تطوّرات سوق الطاقة العالمية، إذ يشير الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور أيمن عمر إلى أن "سعر برميل برنت كان في 27 شباط الماضي عند 72.48 دولاراً، قبل أن يقفز مع اندلاع الحرب إلى أكثر من 106 دولارات، أي بزيادة تقارب 47%"، لافتاً إلى أن المازوت سجّل قفزة بنحو 42% خلال 10 أيام فقط نتيجة تأثر العقود الآجلة للديزل عالمياً بشكل أسرع من البنزين.

ويضيف عمر أن "سعر النفط العالمي ليس العامل الوحيد الذي يحدد أسعار المحروقات في لبنان، إذ إن لكلفة النقل والتأمين دوراً أساسياً في السعر النهائي. ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية والحروب، ترتفع كلفة التأمين على الشحنات النفطية، في ما يُعرف بعلاوة المخاطر الحربية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار محلياً حتى لو تراجعت أسعار النفط عالمياً".

وفي قطاع المولدات الكهربائية، يشكل المازوت الوقود الأساسي لتشغيل المولدات الخاصة. ومع ارتفاع سعره بنحو 42%، يقدّر عمر أن "تعرفة الاشتراكات قد ترتفع بما لا يقل عن 35%، ما يزيد العبء على موازنات الأسر ويقلص الإنفاق على سلع وخدمات أخرى".

أما الصناعة، فتتأثر مباشرة بكلفة الطاقة، إذ تشير تقديرات الهيئات الاقتصادية إلى أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر برميل النفط عالمياً ترفع كلفة السلع والخدمات بنسبة 1% إلى 1.5%. وبما أن المصانع تعتمد بشكل شبه كامل على المازوت لتوليد الكهرباء، فإن أي ارتفاع ينعكس فوراً على أسعار السلع النهائية.

وفي النقل، سيؤدي ارتفاع سعر صفيحة البنزين بنحو 17% خلال 10 أيام (من 1.8 مليون إلى 2.1 مليون ليرة) إلى زيادة متوقعة في تعرفة النقل العمومي لا تقل عن 20%، كما سترتفع كلفة نقل البضائع بين المناطق، ما يرفع أسعار السلع المتجهة إلى مراكز الاستهلاك في بيروت، خصوصاً الخضار والمواد الغذائية القادمة من البقاع والشمال. أما التدفئة، فستصبح أكثر كلفة في المناطق الجبلية التي تعتمد على المازوت، ما يدفع الأسر إلى البحث عن بدائل أقل كلفة لكنها غالباً أكثر ضرراً بالبيئة".

كل هذه التطورات تضغط على مؤشر الأسعار، إذ سجل مؤشر أسعار الاستهلاك في كانون الثاني 2026 ارتفاعاً سنوياً بلغ 10.91%. ومع رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى 12%، يتوقع عمر أن يرتفع "التضخم بنسبة إضافية بين 2% و4% خلال الربع المقبل، تضاف إليها الزيادات المرتبطة بأسعار النفط".

وينعكس هذا على نمط الاستهلاك، إذ تميل الأسر إلى تقليص التنقلات والإنفاق غير الضروري، ما يؤدي إلى انكماش استهلاكي يطال قطاعات مثل السياحة الداخلية والمطاعم. كما ينعكس ارتفاع أسعار الطاقة على معظم السلع نتيجة زيادة كلفة النقل ومدخلات الإنتاج، في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.

وفي تقييمه لتأثير زيادات رواتب القطاع العام الأخيرة، يشير عمر إلى أن "القفزة في أسعار المحروقات امتصّت تقريباً كامل القيمة الشرائية لهذه الزيادات، ما حوّل خطوة تصحيحية إلى عبء تضخمي إضافي، بحيث أصبحت كلفة المعيشة الأساسية تتقدم بفارق كبير على الراتب الجديد، ما يضع الموظف أمام عجز معيشي مستتر".

سلوى بعلبكي - النهار

The post الأسعار تُحلّق... فهل تُلغى ضريبة الـ300 ألف؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد