بتوقيت بيروت - 3/4/2026 12:04:43 AM - GMT (+2 )

هدد الرئيس دونالد ترامب، اليوم الثلاثاء، بقطع العلاقات التجارية بالكامل مع إسبانيا، معلنًا أنه وجّه وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ«وقف جميع التعاملات» مع مدريد، في تصعيد جديد للخلاف بين البلدين على خلفية رفض إسبانيا استخدام أمريكا لقواعدها العسكرية الموجودة فيها لضرب إيران.
وخلال اجتماع في المكتب البيضاوي مع المستشار الألماني فريدريش ميرز، قال ترامب صراحة: «سنقطع كل التجارة مع إسبانيا. لا نريد أي علاقة مع إسبانيا»، في إشارة إلى استيائه من مواقف الحكومة الإسبانية، سواء فيما يتعلق بالعمليات العسكرية ضد إيران أو بملف الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ووفقًا لصحيفة “بوليتكو” تكتسب هذه التهديدات بعدًا أوسع نظرًا لأن إسبانيا عضو في الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة ويعتمد سياسة تجارية موحدة، ما يعني أن أي إجراء أحادي ضد مدريد قد يخلق احتكاكًا مباشرًا مع شركاء أوروبيين كبار مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
صلاحيات الرئيس
ورغم أن المحكمة العليا الأمريكية أبطلت مؤخرًا استخدام ترامب لقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 لفرض تعريفات جمركية واسعة، فإن مسؤولين في إدارته اعتبروا أن الحكم «أكد» استمرار امتلاكه صلاحيات واسعة لاتخاذ تدابير أخرى، بما في ذلك فرض حظر اقتصادي على دولة بعينها إذا رأى أن ذلك يخدم الأمن القومي أو المصالح الاقتصادية.
وخلال اللقاء ذاته، سأل ترامب الممثل التجاري الأمريكي جاميسون جرير ووزير الخزانة بيسنت عن مدى إمكانية فرض حظر على إسبانيا، فأجابه جرير بأن المحكمة العليا أوضحت أن للرئيس صلاحيات واسعة يمكن استخدامها عند الضرورة لحماية الأمن القومي والاقتصادي، بينما أكد بيسنت أن الحكم أعاد تثبيت قدرة الرئيس على اتخاذ مثل هذه الخطوات.
وفي سياق متصل، صرح ترامب أيضًا بأن إدارته «فرضت تعريفة جمركية بنسبة 15% على الجميع»، بدلًا من الرسوم العالمية البالغة 10% التي فُرضت بموجب قانون تجاري منفصل بعد خسارته المعركة القضائية الأخيرة. وكان قد ألمح سابقًا إلى إمكانية رفعها 5% إضافية، دون إصدار إعلان رسمي بذلك.
جذور الأزمة
يُذكر أن ترامب كان قد لوّح في أكتوبر الماضي بإجراءات تجارية ضد إسبانيا بسبب انخفاض إنفاقها الدفاعي، لكنه لم ينفذ تلك التهديدات آنذاك.
جذور الأزمة الحالية تعود إلى قرار مدريد، خلال عطلة نهاية الأسبوع، منع الولايات المتحدة من استخدام القواعد العسكرية المشتركة لشن هجمات على إيران، في إطار الحرب الدائرة حاليًا.
وأكدت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلز أن القوات الأمريكية المتمركزة في مورون دي لا فرونتيرا وقاعدة روتا الجوية ملزمة بالعمل «ضمن إطار القانون الدولي»، وأن المنشآت العسكرية لا يمكنها تقديم دعم لأي عمليات إلا إذا كان ذلك ضروريًا لأسباب إنسانية.
ويستند هذا الموقف إلى اتفاق أُبرم عام 1953 يمنح مدريد حق التدخل في كيفية استخدام القوات الأمريكية المتمركزة على أراضيها. وأوضحت روبلز أن القواعد الإسبانية لم تشارك في الهجوم الذي نُفذ ضد إيران السبت الماضي، ولن تُستخدم لأغراض «الصيانة أو الدعم» المتعلقين بالعمليات العسكرية.
وغادرت أكثر من 12 طائرة أمريكية، بينها عدة طائرات تزويد بالوقود من طراز بوينغ KC-135، قاعدتي مورون وروتا خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتوجهت سبع منها إلى قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا. ورجّحت روبلز أن واشنطن اتخذت هذا القرار لأنها كانت تدرك أن الطائرات لن تتمكن من العمل انطلاقًا من الأراضي الإسبانية.
انتقادات لإسبانيا
موقف مدريد أثار انتقادات من حلفاء ترامب، إذ هاجم السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، واصفًا إياها بأنها «شذوذ» وتعكس «قيادة أوروبية ضعيفة فقدت بوصلتها الأخلاقية». كما وصف ترامب إسبانيا خلال المؤتمر الصحفي بأنها «فظيعة» و«غير ودية».
وأعاد الرئيس التأكيد على اعتراضه على رفض إسبانيا الالتزام بمطلبه تخصيص 5% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري داخل الناتو، وهو طرح سبق أن أثار جدلًا واسعًا داخل الحلف، ودفعه العام الماضي إلى التلميح بإمكانية طرد مدريد وفرض تعريفات جمركية أعلى عليها.
بل ذهب ترامب إلى حد القول إن الولايات المتحدة «لا تحتاج إلى إذن» لاستخدام القواعد الموجودة في إسبانيا، مضيفًا: «يمكننا استخدامها متى شئنا، ولن يمنعنا أحد».
رد إسبانيا
من جانبها، ردت الحكومة الإسبانية ببيان رسمي أكدت فيه أن أي مراجعة للعلاقات التجارية يجب أن تتم وفق القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومع احترام استقلالية الشركات الخاصة.
ووفقًا لوكالة “رويترز” فقد شددت إسبانيا في البيان على أنها عضو فاعل في الناتو، وتفي بالتزاماتها الدفاعية، وتُعد قوة تصديرية رئيسية داخل الاتحاد الأوروبي، وشريكًا تجاريًا موثوقًا لأكثر من 195 دولة، بينها الولايات المتحدة التي تجمعها بها علاقة اقتصادية طويلة الأمد ومثمرة للطرفين.
وأكدت مدريد امتلاكها الأدوات الكفيلة باحتواء أي تداعيات اقتصادية محتملة، مع مواصلة الدفاع عن مبادئ التجارة الحرة والتعاون الاقتصادي.
اقتصاديًا، تُعد إسبانيا أكبر مُصدّر لزيت الزيتون عالميًا، كما تصدر إلى السوق الأمريكية منتجات تشمل قطع غيار السيارات والصلب والمواد الكيميائية.
وتشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي إلى أن الولايات المتحدة سجلت فائضًا تجاريًا مع إسبانيا للعام الرابع على التوالي في 2025، بلغ 4.8 مليار دولار، مع صادرات أمريكية بقيمة 26.1 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 21.3 مليار دولار.
خلط الاقتصاد بالسياسة
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تمثل مؤشرًا جديدًا على استعداد ترامب لاستخدام أدوات التجارة والرسوم الجمركية للضغط على حلفاء تقليديين في قضايا لا ترتبط مباشرة بالتبادل التجاري، مثل الالتزامات الدفاعية داخل الناتو أو المواقف السياسية من النزاعات الدولية.
ورغم القيود التي فرضها حكم المحكمة العليا، لا تزال لدى إدارة ترامب بدائل قانونية، منها المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، التي تتيح فرض رسوم جمركية مؤقتة لمدة 150 يومًا، على أن يتطلب تمديدها موافقة الكونغرس.
في المحصلة، تعكس المواجهة الحالية تصعيدًا غير معتاد بين حليفين داخل حلف شمال الأطلسي، وسط تداخل معقد بين الملفات العسكرية والتجارية والسياسية.
تم نسخ الرابط
إقرأ المزيد


