بتوقيت بيروت - 2/2/2026 8:02:21 AM - GMT (+2 )

تُعد زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى الصين أحدث انتصار يُمكن لبكين التباهي به في منافستها مع الولايات المتحدة، لكن الصفقات التي يُحضرها إلى لندن تُظهر أيضًا حدود “التوازن” الذي قد تُحاول القوى المتوسطة القيام به.
ويأتي هذا بعد زيارة مماثلة قام بها نظيره الكندي، مارك كارني، قبل أسابيع، حيث أبرم اتفاقية تجارية، ثم توجه إلى دافوس للإعلان عن نظام تجاري عالمي جديد، في ظلّ توتر العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وزار قادة أوروبيون دافوس أيضاً، وكذلك فعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وغيره منذ تولي ترامب ولايته الثانية قبل عام، إلا أن الفوائد الاقتصادية والأمنية الملموسة طويلة الأمد التي ستعود على القوى الغربية من هذه الزيارات لا تزال غير واضحة.
ويقول جون كويلش، الخبير في الإستراتيجية العالمية بجامعة ديوك كونشان “يشعر حلفاء الولايات المتحدة التقليديون بالظلم، وهم الآن يحاولون تنويع خياراتهم، لكنهم بعيدون كل البعد عن القدرة أو الرغبة في استبدال الولايات المتحدة بالصين”.
ومن وجهة نظر لندن وأوتاوا وعواصم غربية أخرى، تُظهر هذه الزيارات للرئيس الأميركي دونالد ترامب وجود بدائل إذا ما واصل الضغط بشأن قضايا تتراوح بين قضية غرينلاند وإعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
لكن هذه “إيماءات سطحية في ظل ركود النمو العالمي”، كما صرّحت أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك ناتيكس.
وأضافت لرويترز “تُسلّط هذه الزيارات الضوء على القيود الشديدة لأي “تحوّل” نحو الصين. فهي تكشف هشاشة الدول المتوسطة، التي تتنافس على الفتات بينما يغمر سيل الصادرات الصينية صناعاتها”.
وتُفيد هذه الزيارات بكين، من خلال دعمها لرواية التحوّل الواسع نحو الصين باعتبارها “الشريك الموثوق” للعالم، في تناقض صارخ مع سياسات ترامب الجمركية الفوضوية وقائمة تهديداته ومطالبه المتزايدة تجاه الشركاء والمنافسين على حد سواء.
ويرى كويلش أن جهود ترامب لفصل الولايات المتحدة عن الصين تُؤدي أيضاً إلى فصل الولايات المتحدة عن العالم.
وتأتي الصفقات التي أبرمتها القوى الغربية خلال الزيارات مقابل تعزيز التكامل مع دولة حققت فائضًا تجاريًا بحجم الاقتصاد الهولندي العام الماضي، لكن استهلاكها ضعيف للغاية لدرجة لا تسمح حتى لمنتجيها المحليين بالازدهار.
وخلال زيارته لثاني أكبر اقتصاد في العالم، حصل ستارمر على إعفاء البريطانيين من تأشيرة الدخول لمدة 30 يومًا عند سفرهم إلى الصين، وتخفيض الرسوم على الويسكي، في حين كشفت شركة الأدوية أسترازينيكا عن استثمار بقيمة 15 مليار دولار.
ولم يحصل ستارمر على أي شيء سوى “حوار صريح” حول التوتر الناجم عن موقف الصين المتزايد الحزم تجاه تايوان، وتوطيد علاقاتها مع روسيا بعد غزو أوكرانيا، وحملة قمع حقوق الإنسان في هونغ كونغ، المستعمرة البريطانية السابقة.
كما وجّه سياسيون بريطانيون وأميركيون انتقدوا زيارة ستارمر اتهامات بالتجسس وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما تنفيه بكين
وبالمثل، غادر كارني الصين بتوقعات بأن تخفض بكين أو تلغي الرسوم على الكانولا وجراد البحر وسرطان البحر والبازلاء، لكن ذلك أثار تهديدات بفرض رسوم بمئة في المئة من ترامب، الذي حذر أوتاوا من السماح للسيارات الكهربائية الصينية بدخول أميركا الشمالية.
وحتى قبل أن يختتم ستارمر زيارته للصين، حذر ترامب بريطانيا من خطورة الدخول في علاقات تجارية مع بكين، بعد أن أشاد رئيس الوزراء بالفوائد الاقتصادية لإعادة ضبط العلاقات مع الصين.
واستقرت واردات الصين العام الماضي عند 2.6 تريليون دولار، لكنها كانت مدفوعة بشكل كبير بالطاقة والسلع من الأسواق الناشئة، وليس من الغرب.
ومع ذلك، قفز فائضها التجاري بنسبة الخمس، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، حيث استجاب المصنعون الصينيون لإجراءات ترامب الجمركية بالتوسع في جميع الأسواق العالمية تقريبًا، على حساب المنتجين المحليين.
ويُشير هذا المعدل من النمو إلى أن الفائض التجاري الصيني سيبلغ تقريبًا حجم الاقتصاد الفرنسي البالغ 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030، والاقتصاد الألماني البالغ 5 تريليونات دولار بحلول عام 2033.
وارتفعت صادرات الصين إلى الاتحاد الأوروبي العام الماضي بنسبة 8.4 في المئة، بينما انخفضت وارداتها بنسبة 0.4 في المئة.
وزادت صادرات الصين إلى بريطانيا بنسبة 7.8 في المئة، في حين انخفضت مشترياتها بنسبة 4.7 في المئة. أما مع كندا، فقد نمت المبيعات بنسبة 3.2 في المئة بينما تراجعت المشتريات بنسبة 10.4 في المئة.
وقال إسوار براساد، المدير السابق لملف الصين في صندوق النقد الدولي إن “هذا يجعل زيادة التكامل التجاري مع
الصين بشكل كبير أمرًا محفوفًا بالمخاطر، لاسيما بالنسبة للدول التي تسعى لحماية أو تنمية صناعاتها التحويلية”.
وأضاف براساد، الذي يُدرّس حاليًا السياسة التجارية في جامعة كورنيل “لا تُشكّل الصين ملاذًا آمنًا للدول التي تُحاول التكيّف مع الآثار الاقتصادية السلبية للتعريفات الأميركية”.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن المكاسب التجارية الكبيرة مع الصين قد لا تكون بنفس الأهمية – أو حتى واقعية – بالنسبة لدول مثل بريطانيا أو كندا في الوقت الراهن.
وقد يكون إعادة ضبط العلاقات أفضل ما يُمكنهم تحقيقه، لكن ذلك قد يكون ذا قيمة، إذ كشف التدهور السابق في العلاقات عن اعتماد سلاسل التوريد الحيوية على الصين.
وقال محللون إن الإجراءات التجارية المضادة التي اتخذها العملاق الآسيوي ساهمت في اتساع اختلالات الميزان التجاري بين البلدين، بدلًا من تضييقها.
ووصف نوح باركين، خبير العلاقات الأوروبية الصينية في صندوق مارشال الألماني ومجموعة روديوم، زيارتا ستارمر وكارني بأنها “ضربة دعائية لبكين”، محذرًا في الوقت نفسه من أن “هذا ليس تحولًا نحو الصين، بل هو محاولة لخفض التوتر مع بكين”.
وأضاف في تصريح لوكالة رويترز “لا ترغب أي دولة في الدخول في صراع مفتوح مع القوتين العظميين في الوقت نفسه”.
إقرأ المزيد


