تحرير السوق في سوريا: خيارات أوسع شكلاً وأضيق واقعاً
لبنانون فايلز -

كتب محمد كساح في المدن - مع الإعلانات الحكومية المتكررة حول تغيير الخط الاقتصادي من نموذج السوق الاجتماعي إلى السوق الحرة، تتبادر أسئلة عديدة من قبيل: كيف يُفترض أن يستفيد المواطن من اقتصاد السوق الحرة؟ وهل يوفر الخط الجديد خيارات للمستهلك، من حيث تعدّد المنتجات وتفاوت أسعارها وجودتها، بحيث يمكن للمستهلك اختيار ما يلائمه؟

من الناحية النظرية، يفترض أن يوفّر اقتصاد السوق الحرة للمواطن تنوعاً في السلع وتحسناً في الجودة وانخفاضاً نسبياً في الأسعار نتيجة المنافسة. لكن هذه الفوائد مشروطة بوجود دخل مستقر وسوق مفتوحة وتنافسية ومعلومات شفافة. في الواقع السوري، هذه الشروط غير متوافرة، ما يجعل المواطن لا يستفيد من السوق الحرة بقدر ما هو مضطر ليتكيّف معها قسراً.

تحرير السوق.. أولى الخطوات

في هذا الصدد، يؤكد مدير حماية المستهلك حسن الشوا في حديث إلى "المدن" أن المديرية تعتمد سياسة سبر أسعار السوق بالجملة والمفرق، والمقارنة في أكثر من موقع وفق توزع المدن والقرى، ويتم تحديد نوع السلعة ومتوسط سعرها وجمع بيانات على مستوى جميع المحافظات، بالاعتماد على شعبة أسعار في كل محافظة بالتوازي مع دوريات تقوم بجولات على كافة الفعاليات التجارية.

وتتم المقارنة بين الأسعار، وفقاً لما يضيفه الشوا، من حيث مستوى الاستقرار والارتفاع غير الطبيعي وغير المبرر. ومن خلاله يتم التدخل عبر الضابطة التموينية. وفي حال وجد سعر زائد، يتم بحث أسبابه ومنع احتكاره، وتحديد إن كانت السلعة متوفرة أم لا وكمياتها في الأسواق، من خلال المقارنة بين سوق الجملة والمفرق، كالخضار والفواكه والألبان والأجبان واللحوم.

ويلفت الشوا إلى أن الدوريات تستمر بجولاتها وإلزام الفعاليات التجارية بإعلان الأسعار بالعملتين القديمة والجديدة بوضوح، ليكون المستهلك قدرة أكبر على اختيار السلعة المناسبة بالسعر المناسب، بالإضافة إلى تحديد الأوزان الذي كان باباً من أبواب غبن المستهلك، والتدليس حيث أصبحت الأوزان موحدة تقريباً بالنسبة للنوع الواحد من السلع.

ويشير إلى أن المديرية لا تقوم حالياً بتحديد أسعار السلع، خلافاً للسياسات الحكومية السابقة، نظراً لاتباع الحكومة الحالية نهجاً جديداً يقوم على نموذج السوق الحرة، مؤكداً أن تحرير السوق وإعلان السعر وتحديد الوزن مؤشرات تعطي المستهلك القدرة على شراء المنتج المناسب.

بناء سوق تنافسية حقيقية

من جانبه، يلاحظ الخبير الاقتصادي محمد علبي التوجه العام لدى الحكومة السورية الذي يميل إلى تحرير الأسعار، أكثر مما يميل إلى تحرير السوق بمعناه الاقتصادي الكامل.

ويضيف الخبير في حديث إلأى "المدن" أن الدولة تراجعت عن التسعير المباشر لمعظم السلع، لكنها لم تستكمل هذا التوجه ببناء سوق تنافسية حقيقية، تضمن تعدد المنتجين وسهولة الدخول والخروج من السوق، وإنما يظهر ذلك بصورة فوضى، لم تتطوّر أدوات الدولة في ضبطها بالشكل الكافي.

ويرى أن التفاوت الكبير في الأسعار والجودة الموجود اليوم لا يعكس بالضرورة وفرة خيارات ناتجة عن منافسة صحية، بل يعكس في كثير من الأحيان اختلال بنية السوق، وتفاوت القدرة الشرائية، ووجود حلقات احتكار ما زالت تفرض شروطها بسبب طبيعة السوق والمُنظم له. لذلك، تبدو خيارات المستهلك متعددة شكلياً، لكنها عملياً محدودة بقدراته المالية وبطبيعة السوق غير المنظمة.

ويرى علبي أن ما يحدث في معظم الأحيان ليس اختياراً حراً بين بدائل متعددة، بل هو انتقال اضطراري نحو الأرخص أو الأدنى جودة، نتيجة تراجع الدخل وغياب الحماية الاقتصادية.

ويؤكد أن وجود رقابة حكومية على السوق ليس فقط ضرورياً، بل هو شرط أساسي لنجاح أي نموذج سوقي. غير أن الرقابة المطلوبة ليست تسعيراً مركزياً ولا إجراءات ظرفية فقط، بل رقابة تنظيمية تستهدف الاحتكار، وتضبط حلقات الزبائنية، وتربط الأسعار بتكاليفها الفعلية، وتخلق بيئة تنافسية عادلة. اقتصاد السوق من دون رقابة لا ينتج كفاءة ولا عدالة، بل يؤدي إلى فوضى سعرية ومنافسة شكلية، يكون فيها المستهلك الطرف الأضعف دائماً. وبالمناسبة، لبنان مثالٌ جيدٌ على ذلك.

إشكاليات سياسة سبر السعر

وتعليقاً على سياسة سبر السعر التي تتبعها مديرية حماية المستهلك، يوضح علبي أن سبر الأسعار إجراء مفهوم من حيث المبدأ، لأنه يفترض أن يساعد الدولة على فهم حركة السوق ومستويات الأسعار، كما يساعدها في قراءة وفهم معدلات التضخم الحقيقية.

إلا أن الإشكالية لا تكمن في السبر نفسه، بل في ما يليه. حين يتحول سبر الأسعار إلى عملية رصد رقمية من دون ربطها بتحليل التكاليف الحقيقية أو بهوامش الربح أو ببنية التوريد، يصبح إجراءً وصفياً لا أكثر. هذه السياسة لا تقيد السوق الحرة ولا تحد من خيارات المستهلك، لكنها أيضاً لا تحمي هذه الخيارات من التشوه، ولا تمنع تحميل المستهلك كلفة الارتفاعات غير المبررة،خصوصاً في ظل غياب أدوات تدخل تنظيمي فعالة.

ويمكن ملاحظة وجود مشكلة تتعلق بانتهاج نموذج اقتصاد السوق الحرة. إذ لا يمكن اعتبار ما يجري انتقالاً واعياً أو منظّماً إلى نموذج اقتصاد السوق الحرة، بل أقرب إلى تطبيق جزئي وغير متناسق له. فالهدف المعلن أو الضمني يبدو التوجّه نحو اقتصاد سوق، لكن التطبيق العملي يشير إلى نمط إدارة أزمات أكثر منه خياراً اقتصادياً واضح المعالم، حيث تُتَّخذ القرارات بشكل ظرفي وتفاعلي تحت ضغط الواقع، لا ضمن رؤية اقتصادية متكاملة.

في هذا السياق، يرى علبي أن الدولة لم تنجح حتى اللحظة في بلورة نموذج اقتصادي متماسك، بل تراجعت تدريجياً، تحت ضغط العجز المالي وضعف الموارد وتآكل الإنتاج، عن أداء جزء وازن من أدوارها الاجتماعية، من دون أن تقابل هذا التراجع بسياسات بديلة واضحة في بلد مدمّر واقتصاد منهك ومجتمع يرزح تحت أعباء معيشية ثقيلة. بهذا المعنى، لم يكن تحرير السوق خياراً سياسياً محسوباً أو ناضجاً، بقدر ما كان نتيجة فقدان أدوات التدخل وضبط المتغيرات الاقتصادية الكلية.

ويؤكد أن التداعيات التي نشهدها اليوم في السوق وعلى المستهلك ليست نتاج اقتصاد سوق حر بالمعنى الدقيق، بل نتيجة فشل مزمن في إدارة الاقتصاد الكلي، وهو فشل لم يتبدّل كثيراً خلال العام الماضي، بدليل استمرار معدلات النمو المحدودة التي لا تتجاوز 1%، وهذا ما يعني عملياً أن أسباب الأزمة لا تزال قائمة. في ظل هذا الواقع، تتراجع قدرة الدولة على حماية السوق والمستهلك من تقلبات الأسعار، كما تتقلص قدرتها على تقديم الدعم، سواءً للفئات الهشة من المواطنين أو للقطاعات الإنتاجية.

 

The post تحرير السوق في سوريا: خيارات أوسع شكلاً وأضيق واقعاً appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.



إقرأ المزيد