لبنانون فايلز - 2/2/2026 7:00:59 AM - GMT (+2 )
كتب ماهر سلامة في الاخبار - لا يزال الاقتصاد اللبناني يعاني من استنزاف بالعملات الأجنبية. كمية العملات الأجنبية التي تدخل بالطرق الرسمية هي أقلّ بنحو 4.8 مليارات دولار من تلك التي تخرج. على هذا المنوال، يُسجّل الحساب الجاري عجزاً مستمراً منذ ما قبل الأزمة. هذا العجز، كان أحد العوامل الأساسية التي أدّت إلى الانهيار المصرفي والنقدي في 2019.
ومع أن هذا العجز رُدم إلى حد كبير في سنة 2020، السنة الأولى بعد الانهيار، إلا أن السياسات المتفرجة التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ ذلك الوقت، أدّت مجدداً إلى توسيع العجز في 2025، وهو ما يمثّل امتداداً للوضع السابق.
الحساب الجاري هو مكوّن أساسي لميزان المدفوعات في أي دولة. يعكس هذا الحساب صافي تعاملات الدولة مع الخارج خلال فترة زمنية معيّنة، ويضمّ أربع فئات أساسية: الميزان التجاري، أي الصادرات والواردات السلعية، ميزان الخدمات مثل السياحة، النقل، الخدمات المالية، الدخل الناتج من العمل ورأس المال بين الدول (كالأرباح والفوائد والأجور المحوّلة من وإلى الخارج)، والتحويلات الجارية (مثل تحويلات المغتربين والمساعدات).
وتسجيل فائض في هذا الحساب يعني أن الدولة تحقّق إيرادات من الخارج تفوق مدفوعاتها، بينما يدلّ العجز على اعتمادها على تمويل خارجي لتغطية الفرق، ما يجعله مؤشراً مهمّاً على متانة الاقتصاد وهيكل الإنتاج والقدرة على الاستدامة المالية.
وبحسب نشرة المرصد اللبناني الصادر عن البنك الدولي أخيراً، فإن اتّساع عجز الميزان التجاري أسهم في إبقاء الحساب الجاري في وضع العجز، إذ أنه رغم ارتفاع الصادرات السلعية، فإن قاعدة الاستيراد ظلّت أكبر بكثير، ما أدّى إلى زيادة العجز التجاري. وقد استند البنك الدولي إلى معطيات خاطئة لهذا التقدير، إذ أشار إلى أن الصادرات بلغت 4.4 مليارات دولار، وأن الواردات بلغت 14.5 مليار دولار، بينما بحسب إحصاءات الجمارك اللبنانية بلغت قيمة الصادرات 3.2 مليارات دولار حتى نهاية تشرين الثاني 2025، وبلغت الواردات 19.37 مليار دولار، أي إن العجز بلغ 16.1 مليار دولار حتى نهاية تشرين الثاني 2025 بينما يبلغ وفق تقديرات البنك 9.6 مليارات دولار حتى نهاية السنة. هذا يعني عملياً، أن مساهمة العجز التجاري في عجز الحساب الجاري أكبر مما يظهر في تقديرات البنك الدولي.
على أي حال، ما ساعد على تخفيف بسيط في عجز الحساب الجاري هو التحسّن في ميزان الخدمات بفضل تعافي السياحة وارتفاع صادرات الخدمات، بالإضافة إلى استمرار تدفقات تحويلات المغتربين. رغم ذلك لم يكونا كافيين «لتعويض اتّساع العجز في تجارة السلع (كما يقدّره البنك الدولي)، علماً بأن تجارة الخدمات سجّلت فائضاً بنسبة 1.8% من الناتج المحلي.
وبحسب البنك، فإنه رغم أن تحويلات المغتربين تُشكّل مصدراً أساسياً لسدّ جزء من العجز في الحساب الجاري، إلا أنها في المقابل تُسهم في توسعته بشكل غير مباشر. إذ إن هيكل النموّ القائم على الاستهلاك المموّل بتحويلات المغتربين والدولرة الواسعة للأجور، أسهم بشكل غير مباشر في تعميق العجز الخارجي، فأدّى ذلك إلى زيادة الطلب على السلع المستوردة من دون توسّع موازٍ في القاعدة الإنتاجية أو الصادرات السلعية.
يقرّ البنك الدولي بأن تقديراته لعجز الحساب الجاري قد لا يكون دقيقاً بسبب «ضعف الوساطة المالية» (أو المصارف)، وهي إشارة إلى ضعف القطاع المصرفي الذي يمثّل الوسيط المالي في لبنان، بالإضافة إلى الاعتماد الكبير على الاقتصاد النقدي المدوْلر الذي يُصعّب تعقّب حركة الأموال.
لكن حتى لو لم تكن الأرقام دقيقة، لا يلغي ذلك حقيقة استمرار العجز وارتباطه بنمط نمو غير قابل للاستدامة خارجياً.
صحيح أن العجز في الحساب الجاري انخفض في 2025 مقارنة بالعجز في سنة 2024 عندما بلغ 5.7 مليارات دولار، ولكن هذا الانخفاض لا يعني أن المشكلة في طريقها إلى الحل، إذ إن أسباب العجز لا تزال موجودة، من العجز في الميزان التجاري المدفوع بالقاعدة الإنتاجية الهزيلة، إلى الدولرة التي شهدها الاقتصاد في السنوات الأخيرة.
استمرار العجز في الحساب الجاري هو أحد العلامات التي تدلّ على استمرار الاقتصاد اللبناني على النهج السابق نفسه الذي قاد إلى الانهيار، أي نهج النموّ القائم على الاستهلاك المموَّل من الخارج، لا على بناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد عملات أجنبية بصورة مستدامة.
فبدلاً من أن تُشكّل مرحلة ما بعد 2019 فرصة لإعادة تصحيح الاختلالات البنيوية في الاقتصاد، جرى التعامل مع تراجع العجز في سنة 2020 كـ«إنجاز ظرفي»، علماً بأنه كان نتيجة انهيار العملة وحالة اللايقين التي أدّت إلى الحدّ من الاستهلاك. ومع عودة النشاط الاقتصادي بشكل جزئي، عاد العجز الخارجي إلى الاتساع، مؤكداً أن أي نموّ لا يُرافقه تحوّل في بنية الإنتاج والتجارة الخارجية يبقى نمواً هشّاً، سريع الانكشاف أمام أي تراجع في التحويلات أو السياحة أو أي صدمة خارجية جديدة.
بمعنى آخر، الحساب الجاري يعكس اليوم مأزق الاقتصاد اللبناني بدقّة، وهو عبارة عن تحسّن شكلي في بعض المؤشرات، يقابله استمرار في نزف العملات الأجنبية، وغياب رؤية اقتصادية قادرة على كسر الحلقة المفرغة بين الاستهلاك، الاستيراد، والعجز الخارجي.
The post 4.8 مليارات دولار عجز في الحساب الجاري appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.
إقرأ المزيد


