إرتكاز نيوز - 11/4/2026 3:37:00 PM - GMT (+2 )

قبل أيام وخلال حديث لبودكاست “بود فورس وان”، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد “كل شيء” إذا فاز الديمقراطيون بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي التي جريت الثلاثاء، إذ رجحت استطلاعات الرأي ان يستعيد الحزب الديمقراطي الغالبية في مقابل خسائر للحزب الجمهوري مدفوعة بالاستياء من سياسات ترمب.
وقال ترمب إنه في حال خسر الجمهوريون مجلسي النواب والشيوخ، فإنه سيتحول إلى “السيد فيتو” (صاحب حق النقض)، مضيفاً “سيرسلون مشاريع قوانين، وسأستخدم حق النقض ضدها. وفي نهاية المطاف، وبعد شهر أو شهرين من رفض كل ما يقدمونه، إذيضيعون وقتهم، سيأتون إليّ وسنتوصل إلى اتفاق. أعتقد بأن هذا هو السيناريو المرجح، لكن نأمل ألا نضطر إلى القلق في شأن ذلك”.
منذ عودته للبيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) عام 2025، سعى ترمب إلى حد كبير إلى التحايل على الكونغرس من خلال الإجراءات التنفيذية لفرض تعرفات جمركية واسعة النطاق وتكثيف إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة وتقليص حجم القوى العاملة الفيدرالية والسعي إلى تحقيق أهداف في السياسة الخارجية، بما في ذلك الحرب ضد إيران، من دون الحصول على موافقة الكونغرس أو سن قوانين جديدة. ووفقاً لدراسة أجراها “مركز بيو للأبحاث”، أقر الكونغرس 121 قانوناً منذ جلسته في يناير 2025، وهو ثاني أقل عدد من القوانين في أي كونغرس خلال العقود الأربعة الماضية، إذ كان الاستثناء الرئيس هو الحزمة الضخمة من الخفوض الضريبية وخفض الإنفاق التي أقرها الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون حالياً، ووقعها الرئيس لتصبح قانوناً في يوليو (تموز) 2025.
ووعد الديمقراطيون بتفعيل سلسلة من التحقيقات مع فوزهم بالسيطرة على مجلس النواب هذا الأسبوع، بما في ذلك التحقيق في الشؤون المالية لعائلة ترمب ومشاريعها التجارية وتعامل الإدارة مع حرب إيران. لكن مسؤولاً في البيت الأبيض تحدث “إلى رويترز” أفاد بأن كبار المسؤولين، بمن فيهم نائب كبير الموظفين ستيفن ميلر ومدير الموازنة راسل فوت، يدرسون ما يمكن أن يفعله ترمب من الناحية القانونية إذا ما تحقق سيناريو سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، قائلاً إن ترمب “يمكنه تجاوز حدود سلطته وإيجاد السبل للدفاع عن قراراته أمام القضاء”، مما يثير التساؤل في شأن حدود سلطات النقض التي يمنحها الدستور الأميركي للرئيس.
ما هو “الفيتو” الرئاسي؟
تمنح المادة الأولى، القسم السابع من الدستور الأميركي، الرئيس سلطة نقض التشريعات أو القرارات المشتركة من خلال إبلاغ الكونغرس باعتراضاته، وتنص هذه الفقرة الدستورية على ما يلي “كل أمر أو قرار أو تصويت يتطلب موافقة كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب (باستثناء المسائل المتعلقة برفع الجلسات) يجب أن يُعرض على رئيس الولايات المتحدة، ولا يصبح نافذاً إلا بعد موافقته عليه. وفي حال رفضه، فلا يمكن اعتماده إلا إذا أُقر مجدداً بغالبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وفقاً للقواعد والقيود المحددة بالنسبة إلى مشاريع القوانين”.
ووفق “مركز الدستور الوطني”، وهو مركز أبحاث أميركي، يحدث النقض (الفيتو) عندما يعترض الرئيس على مشروع قانون أو قرار. وعادة ما يعيد الرئيس مشروع القانون للكونغرس مرفقاً برسالة توضح أسباب اعتراضه، مما يُعرف بـ”النقض المباشر”. أما إذا امتنع الرئيس عن التوقيع خلال فترة المراجعة الدستورية البالغة 10 أيام، وكان الكونغرس رفع جلساته خلال تلك الفترة، فإن ذلك يُعد “نقضاً ضمنياً”، وبموجبه لا يصبح مشروع القانون قانوناً نافذاً. وكان آخر استخدام لهذا النوع من النقض من قبل الرئيس بيل كلينتون في ديسمبر (كانون الأول) عام 2000.
ويقول مراقبون إنه في كثير من الأحيان، يكون مجرد التلويح باستخدام حق النقض كافياً لعرقلة تشريعات من المؤكد أنها ستواجه رفضاً رئاسياً، ويُعرف هذا الإجراء بـ”التلويح بحق النقض”. ومن الطرق الرسمية التي يمكن للرئيس من خلالها تحذير الكونغرس حول نيته استخدام حق النقض، إصدار “بيان سياسة الإدارة”، مما فعله ترمب خلال ولايته الأولى عندما هدد باللجوء إلى “الفيتو” ضد أي إجراء يقرّه الكونغرس من شأنه عرقلة إعلانه حال الطوارئ الوطنية لبناء جدار حدودي مع المكسيك.
تجاوز النقض الرئاسي
ويتطلب تجاوز النقض الرئاسي الحصول على غالبية الثلثين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وفقاً لما تنص عليه المادة الأولى، القسم السابع. واستخدم الرئيس السابق جو بايدن حق النقض 13 مرة خلال ولايته (2021-2025) وجاءت جميعها عامي 2023 و2024، بعد انقسام السيطرة الحزبية على مجلسي الكونغرس، ولم ينجح المشرعون في تجاوز أي من قرارات “الفيتو” الـ13، وفقاً لبيانات مجلس الشيوخ الأميركي.
ولم يستخدم الرئيس باراك أوباما حق النقض سوى مرتين خلال عاميه الأولين، ولم ينجح الكونغرس في تجاوز أي منهما. وخلال سنواته الثماني في البيت الأبيض، لجأ أوباما إلى “الفيتو” 12 مرة، جرى تجاوز واحدة منها فقط وهي تلك المتعلقة بـ”قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب” في سبتمبر (أيلول) عام 2016. أما سلفه، الرئيس جورج دبليو بوش، فلم يستخدم حق النقض ولو لمرة واحدة خلال فترته الرئاسية الأولى، لكنه استخدمه 12 مرة أثناء فترته الثانية، إذ جاءت 11 منها عامي 2007 و2008، وهي الفترة التي سيطر فيها الديمقراطيون على كل من مجلسي الشيوخ والنواب، ومن بين تلك المرات الـ12، لم ينجح الكونغرس في تجاوز حق النقض الذي استخدمه بوش إلا في أربع حالات فقط.
وبحسب بيانات المركز الأميركي، شهد عهدا أوباما وجورج دبليو بوش تحولاً ملحوظاً في اللجوء إلى حق النقض كتكتيك سياسي أو كدلالة على عدم الرضا الرئاسي، فمن ناحية إجمال عدد مرات استخدام “الفيتو سواء العادي أو الجيبـي”، أي الامتناع عن التوقيع حتى انقضاء الدورة التشريعية، سجل الرئيسان أقل عدد من حالات النقض منذ عهد وارن هاردينغ خلال عشرينيات القرن الماضي. وبالنسبة إلى الرؤساء الذين قضوا فترتين في المنصب، سجل البيت الأبيض أثناء عهدي أوباما وبوش أقل عدد من حالات استخدام حق النقض العادي منذ إدارة أندرو جاكسون.
وكان غروفر كليفلاند أكثر الرؤساء استخداماً لـ”الفيتو”، إذ لم يسيطر حزبه الديمقراطي على الكونغرس سوى عامين فقط من أصل السنوات الثماني التي قضاها في منصبه، وأصدر كليفلاند 304 قرارات نقض عادية خلال تلك الأعوام، كما كان كثير اللجوء إلى “النقض الضمني” (أو ما يُعرف بـ”فيتو الجيب”)، فاستخدمه في 238 مناسبة. أما فرانكلين روزفلت، فاستخدم حق النقض العادي 372 مرة على مدى 12 عاماً. وفي المقابل، كان أندرو جونسون وفرانكلين بيرس أقل الرؤساء نجاحاً في اللجوء إلى هذا الحق، فاستعمل جونسون حق النقض 29 مرة خلال أربعة أعوام، لكن الكونغرس أبطل 15 منها. أما بيرس، فأبطل الكونغرس خمسة من قرارات النقض التسعة التي أصدرها.
سيطرة من دون تحقيق الأجندة
والمفارقة في انتخابات التجديد النصفي، أنه بينما تمنح السيطرة على الكونغرس الديمقراطيين القدرة على التحقيق مع ترمب وعرقلة التشريعات وتقييد أولوياته في الإنفاق، فإن “الفيتو” ربما يمنع الديمقراطيين من تحويل أجندتهم إلى قوانين، إذ إن ترمب سيظل محتفظاً بسلطات تنفيذية واسعة في مجالات التجارة والسياسة الخارجية والجهاز الإداري الفيدرالي، وهي سلطات استخدمها بالفعل بقوة خلال فترته الرئاسية الثانية. وبذلك يُرجح أن تنتقل المواجهة من صراع على التشريع إلى صراع على الرقابة والصلاحيات التنفيذية.
ووفق “رويترز”، فإن البيت الأبيض أمضى الأشهر الماضية في التحضير لاحتمال سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس، فوضع خططاً لمواصلة دفع أجزاء رئيسة من أجندة إدارة ترمب عبر السلطة التنفيذية، مع الاستعداد في الوقت ذاته لمواجهة تحقيقات تستهدف إدارته، وفقاً لمسؤول في البيت الأبيض وشخصين مطلعين على هذه الخطط.
وأوضح الأشخاص الثلاثة أن مسؤولي الإدارة يعملون منذ أبريل (نيسان) الماضي مع مكتب المستشار القانوني للبيت الأبيض ويل شارف لتحديد إجراءات تنفيذية في مجالات الهجرة والتعرفات الجمركية وكلف الإسكان والإنفاق الفيدرالي، يمكن لترمب اتخاذها من دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس. ويدرس شارف وفريقه “ما يمكن لترمب القيام به قانونياً بمفرده، وإلى أي مدى يمكنه توسيع حدود صلاحياته، وكيفية الدفاع عن هذه القرارات أمام المحاكم”.
ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكسب صافٍ قدره أربعة مقاعد في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأميركيين، لإنهاء الغالبية الضئيلة التي يتمتع بها الجمهوريون (218 مقابل 214 في مجلس النواب، و53 مقابل 47 في مجلس الشيوخ).
وذكر مسؤول في البيت الأبيض أن الإجراءات التنفيذية قيد الدراسة تشمل فرض تعرفات جمركية جديدة على واردات المعادن الحيوية وتوربينات الرياح، وتشديد القواعد المتعلقة بتأشيرات الطلاب الدوليين والعمال الأجانب الموقتين، إضافة إلى تدابير تهدف إلى خفض كلف الإسكان والبناء. وأفاد أحد المطلعين على هذه الخطط بأن الوكالات الفيدرالية قدمت مقترحات ومراجعات قانونية لإجراءات يمكن للإدارة اتخاذها بصورة منفردة.
عرقلة تعيينات ترمب القضائية والتنفيذية
ومع ذلك، لا يزال بإمكان كونغرس تسيطر عليه غالبية ديمقراطية خلق عقبات كبيرة، فالسيطرة على مجلس الشيوخ ستمنح الديمقراطيين القدرة على عرقلة تعيينات ترمب في المناصب القضائية والتنفيذية، بما في ذلك أي مرشح للمحكمة العليا. كذلك، يستطيع الديمقراطيون رفض تمرير التشريعات التي يدعمها ترمب. وفي المقابل، بإمكان ترمب استخدام حق النقض ضد أية تشريعات ديمقراطية لا تروق له، ومن غير المرجح أن يمتلك الديمقراطيون ما يكفي من الأصوات في مجلس النواب لتجاوز هذا النقض.
وتستطيع المحاكم أيضاً تعطيل الإجراءات التنفيذية التي تتجاوز الصلاحيات القانونية لترمب، غير أن هناك تحدياً واحداً لا يمكن تجاوزه عبر الإجراءات التنفيذية، ألا وهو تحقيقات الكونغرس، إذ يسعى كبار الديمقراطيين في مجلس النواب إلى التحقيق في ما إذا كان ترمب استغل سلطته الرئاسية لمصلحته أو لمصلحة حلفائه أو مانحيه.
إقرأ المزيد


