المشهد الانتخابي الأميركي المكرر وفخ التوقعات الجاهزة
آيم-لبنانون -

كتبت جوسلين البستاني في نداء الوطن:

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026، يعود ذلك الشعور المألوف بأننا نعيش المشهد نفسه من جديد، أو ما يُعرف بـ déjà vu، لكن المشكلة لا تكمن في تكرار المشهد بحد ذاته، بل في الروايات السياسية التي تكتسب زخمًا سريعًا، ثم تتحوّل إلى مسلمات قبل أن تسندها الأدلة، كالحديث مثلًا عن “موجة زرقاء” ديموقراطية جارفة، سرعان ما أصبحت حقيقة راسخة في الأذهان قبل أن تبرّرها الأدلة. ثم ما تلبث الفوارق في استطلاعات الرأي أن تضيق، حتى تنقلب الرواية وتتبدّل التوقّعات، ويبدأ الحديث عن عودة الجمهوريين إلى الواجهة. لكن أيًا من التفسيرين لا يكشف بالضرورة ما سيحدث يوم الاقتراع. فهل نشهد حاليًا تحوّلًا حقيقيًا في المشهد السياسي، أم أن مستطلعي الرأي والمعلّقين يخلطون مرّة أخرى بين افتراضاتهم والواقع؟

لفهم المعركة الشاقة التي تواجه إدارة دونالد ترامب في الانتخابات النصفية المقرّر إجراؤها في 3 تشرين الثاني، لا بد من العودة إلى التاريخ. فخسارة الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس لمقاعد في الانتخابات النصفية تُعدّ من أكثر الأنماط رسوخًا في السياسة الأميركية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، خسر حزب الرئيس، في المتوسط، نحو 26 مقعدًا في مجلس النواب، ولم ينجح في زيادة عدد مقاعده إلّا في انتخابين نصفيين. لا يفرض التاريخ نتيجة الانتخابات، لكنه يرسم نقطة انطلاق لا يُمكن تجاهلها. أما حاليًا، فهل تغيّر المزاج الانتخابي فعلًا، أم أن استطلاعات الرأي تعكس، جزئيًا على الأقل، ما يريد أصحابها والجمهور تصديقه؟

إلى أي مدى أخفقت استطلاعات الرأي في الماضي؟

من المهم الإشارة إلى أن أخطاء استطلاعات الرأي أمر متوقّع في أي سباق انتخابي، فهي علم غير دقيق، مهما بلغت درجة التطوّر في المنهجية التي يعتمدها القائمون على الاستطلاعات. وقد شكّل هذا القدر من عدم اليقين سمة ملازمة لاستطلاعات الانتخابات طوال تاريخها. لكن المشكلة خلال العقد الماضي تمثّلت في أن الاستطلاعات أخطأت، في انتخابات متعدّدة، في الاتجاه نفسه، إلى حد كبير. لذلك شكّل فوز دونالد ترامب على هيلاري كلينتون عام 2016 مفاجأة كبيرة، لأن الاستطلاعات كانت تقلّل بصورة منهجية من حجم التأييد الذي يحظى به.

لماذا قد تكون استطلاعات الرأي خاطئة؟

طُرحت تفسيرات عديدة لمحاولة فهم الأخطاء التي شابت استطلاعات الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وأكثرها شيوعًا، وفقًا لمركز Pew Research Center، هو الاعتقاد بأن الجمهوريين المنتمين إلى حركة “ماغا”، وبسبب انعدام ثقتهم عمومًا بالمؤسسات التقليدية، أقل ميلًا إلى المشاركة في الاستطلاعات مقارنة بالديموقراطيين، وأن هذا الاختلاف قد يساهم في التقليل من تقدير الدعم الجمهوري. وقد تؤدّي هذه الظاهرة، التي يسميها المتخصصون في استطلاعات الرأي “انحياز عدم الاستجابة” (Nonresponse bias)، إلى تشويه العينات الإحصائية، وإظهار نسبة الناخبين الجمهوريين أقل مما هي عليه في الواقع، الأمر الذي أكده رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون في مقابلة تلفزيونية، قائلًا: “استطلاعات الرأي خاطئة… الجمهوريون لم يعودوا يريدون المشاركة فيها”.

ما الذي ستختبره انتخابات تشرين الثاني؟

قد يحقّق الديموقراطيون مكاسب في مجلس النواب، في حين يحتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلس الشيوخ بسبب طبيعة الولايات والمقاعد المطروحة للتنافس. لذلك، ينبغي تقييم المعركتين بصورة منفصلة. والأهم من ذلك كلّه مقاومة إغراء تفسير كل تحوّل في الأرقام باعتباره دليلًا يؤكد روايتنا السياسية المفضلة.

لا تصدّق روايتك إلى حدّ الثمالة

ولنتذكّر تلك القاعدة الساخرة التي تصلح للسياسة كما تصلح لتجارة المخدرات: “لا تنتشِ من البضاعة التي تروّج لها”. فالمعلّقون والناخبون ليسوا بمنأى عن الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias)؛ أي الميل إلى قبول المعلومات التي تؤيّد قناعاتهم، والتقليل من شأن ما يناقضها. فعندما يتقدّم الديموقراطيون في استطلاعات الرأي، قد يرى أنصارهم ذلك مؤشرًا إلى موجة انتخابية وشيكة. وعندما تتقلّص الفوارق، قد يعلن خصومهم أن الجمهوريين يستعيدون زمام المبادرة. لكن تراجع احتمال لا يعني بالضرورة تحقّق الاحتمال المضاد، كما أن التقدّم في الاستطلاعات لا يضمن الفوز. الدرس الأهم من الانتخابات الماضية ليس أن الاستطلاعات لا تستحق الثقة، بل أن الأرقام تقدّم تقديرات لا يقينًا.

تشرين الثاني هو الاختبار الحقيقي

في المحصّلة، إنّ الشعور بأننا أمام المشهد نفسه مجدّدًا يذكّرنا بأن الثقة المفرطة باستطلاعات الرأي قد تكون مضلّلة بقدر التشكيك المطلق فيها، وأن الأرقام تستحق اهتمامنا، لا ولاءنا. فالاختبار الحقيقي ليس في العثور على استطلاع يؤكد ما نريد تصديقه، بل في امتلاك الانضباط الكافي للتمييز بين ما تقوله الأدلة وما نتمنى أن تقوله، خصوصًا بعد بروز فضائح استطلاعات Strategies Median وWedgewood Polls، التي أظهرت كيف يمكن لاستطلاعات الرأي المفبركة أن تخلق انطباعًا زائفًا بوجود زخم سياسي متصاعد، وأن تؤثّر في النقاش العام، وربما في القرارات الانتخابية الفعلية. والأهم أن الشركتين نشرتا استطلاعات رأي مزوّرة كانت تميل إلى إفادة مرشّحين ديموقراطيين محدّدين. لذلك، فلننتظر تشرين الثاني.



إقرأ المزيد