سكاي نيوز عربية - 9/17/2026 8:33:50 AM - GMT (+2 )
وقال بولس، خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي في دبي: "لا مستقبل لأي من الزعيمين في البلاد"، مضيفاً أن الولايات المتحدة ترى مستقبل السودان في انتقال مدني ينبغي أن يحدث سريعاً وبعيداً عن قائدي الطرفين المتحاربين، وأن هذا هو المسار الوحيد الذي تدعمه واشنطن.
وتمثل هذه التصريحات أوضح إعلان أميركي حتى الآن بشأن مستقبل القيادتين العسكريتين، إذ تتجاوز الدعوات التقليدية إلى وقف إطلاق النار وتشكيل حكومة مدنية، لتضع البرهان وحميدتي معاً خارج الترتيبات السياسية التي تريد واشنطن الدفع نحوها بعد الحرب.
لكن الموقف الأميركي يفتح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات: كيف يمكن إبعاد رجلين يقودان أكبر قوتين مسلحتين في البلاد؟ ومن يمتلك القدرة على إدارة انتقال مدني في ظل تفكك مؤسسات الدولة وتعدد القوى المسلحة واتساع مناطق النفوذ العسكري؟.
تحول في الخطاب الأميركي
لا يعني حديث بولس أن واشنطن أصدرت قراراً قانونياً بتنحية الرجلين، أو أنها قدمت خريطة تنفيذية لنقل السلطة، لكنه يكشف تحولاً مهماً في هدف التحرك الأميركي: من محاولة إقناع قائدي الحرب بوقف القتال والتفاوض على تسوية، إلى إعلان رفض بقائهما في قيادة السودان سياسياً بعد الحرب.
وأكد بولس أن واشنطن لا تزال ملتزمة بخريطة الطريق التي طورتها مع شركائها لإنهاء النزاع، رغم إقراره بأنها لم تحقق نتائج ملموسة خلال عام من التحركات.
وقال إن المسؤولية عن عدم إحراز تقدم تقع على الأطراف المشاركة، وإن تحقيق نتائج حقيقية لمصلحة السودانيين يتطلب وضع خريطة الطريق موضع التنفيذ.
وتتزامن اللهجة الأميركية الجديدة مع تصاعد الضغوط على طرفي الحرب، إذ تدفع واشنطن نحو توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان، وتطالب بهدنة إنسانية ووقف الدعم الخارجي الذي يمنح الطرفين القدرة على مواصلة القتال.
كما تأتي بعد عقوبات وإجراءات أميركية مرتبطة بالانتهاكات المنسوبة إلى الطرفين، وفي ظل اتهامات للجيش باستخدام أسلحة كيميائية، وهي اتهامات ينفيها الجيش وتطالب جهات دولية بإخضاعها لتحقيق فني مستقل.
والمقاربة الأميركية، كما تبدو من تصريحات بولس، لا تماثل بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع من حيث الوضع المؤسسي أو طبيعة كل منهما، لكنها ترفض أن تتحول الصفة الرسمية للجيش إلى أساس لشرعنة استمرار البرهان في السلطة أو احتكار المؤسسة العسكرية للعملية السياسية.
ويتناقض ذلك مع التصور الذي طرحه رئيس أركان الجيش ياسر العطا، حين قال إن المؤسسة العسكرية قد تضغط لبقاء البرهان على رأس الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية، معتبراً أن ضعف الأحزاب يفرض استمرار القيادة العسكرية في الإشراف على الدولة.
وبينما يرسم العطا مستقبلاً يبقى فيه البرهان على رأس الدولة حتى عبر الانتخابات، يضع الخطاب الأميركي سقفاً معاكساً: انتقال مدني سريع لا مكان فيه للبرهان أو حميدتي في قيادة المرحلة السياسية المقبلة.
وهنا تظهر معركة الشرعية؛ فسلطة بورتسودان تقدم البرهان باعتباره رئيساً لمجلس السيادة وقائداً لمؤسسات الدولة، بينما يضعه الخطاب الأميركي الجديد في موقع أحد قائدي الحرب اللذين لا ترى واشنطن لهما دوراً في قيادة المرحلة السياسية المقبلة.
الضغط على الجيش لا يعني تبني الدعم السريع
ورغم تصاعد الضغوط الأميركية على الجيش وسلطة بورتسودان، فإن ذلك لا يعني أن واشنطن تنظر إلى الدعم السريع باعتباره بديلاً سياسياً أو شريكاً مفضلاً.
فالإدارة الأميركية أبقت على توصيف الانتهاكات المنسوبة إلى الدعم السريع، بما فيها الاتهامات بالإبادة الجماعية والقتل العرقي والعنف الجنسي والتهجير، كما يخضع حميدتي وقيادات مرتبطة بقواته لعقوبات أميركية.
وبحسب تحليلات صحفية، فإن تشديد الضغط على البرهان لا يعني منح شرعية للدعم السريع. فقد أبدت قوات الدعم السريع قبولاً بهدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، لكنها رفضت جوانب من ترتيبات الانسحاب، وسط شكوك بشأن وجود فجوة بين خطابها الموجه إلى المجتمع الدولي وتحركاتها العسكرية على الأرض.
وبذلك تحاول واشنطن تجاوز معادلة "الاختيار بين الجنرالين": فلا انتصار عسكري للبرهان يعيد إنتاج الحكم العسكري، ولا سلطة موازية يقودها حميدتي تتحول إلى بديل للدولة.
رؤية القوى المدنية
وتتقاطع رؤية قوى مدنية سودانية مع الاتجاه الأميركي بشأن إبعاد قائدي الحرب عن قيادة المرحلة الانتقالية.
ويقول طه عثمان إسحق، نائب رئيس لجنة الاتصال السياسي والعلاقات الخارجية في تحالف القوى المدنية الديمقراطية "صمود"، إن "أي حل سياسي ينهي الحرب في السودان يجب أن يقوم على مبدأ واضح: إخراج البرهان وحميدتي من المشهد العسكري ومن مؤسسات الدولة المدنية، وفتح الطريق أمام بناء دولة ومؤسسات مستقلة لا تخضع لسيطرة أو تأثير أي طرف عسكري".
وأضاف: "إذا كان أيٌّ منهما يرى أن لديه مشروعاً لحكم البلاد، فليكن ذلك عبر الطريق الديمقراطي، بعد فترة انتقالية ودورة انتخابية، يجري خلالها بناء مؤسسات دولة قوية ومستقلة، وإعادة تأسيس الحياة السياسية على أسس ديمقراطية، بعيداً عن نفوذ السلاح والقوة العسكرية".
وتابع: "من حق البرهان أو حميدتي أن يخوضا الانتخابات. فإذا اختارهما الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة، فمرحباً بهما باعتبارهما خياراً ديمقراطياً للشعب. أما محاولة الوصول إلى السلطة عبر البندقية، أو الاستفادة من الأمر الواقع الذي فرضته الحرب، فلن تقود إلى الاستقرار أو بناء الدولة، بل قد تقود إلى انهيار شامل يجعل السودان ليس دولة فاشلة واحدة، وإنما عدة دول فاشلة ومتناحرة".
من يقود المرحلة المقبلة؟
لم يسمِّ بولس شخصية أو تحالفاً سياسياً بعينه لقيادة السودان، كما لم يحدد كيف ستُختار السلطة المدنية أو أين ستعمل أو الضمانات التي ستحميها من السلاح.
لكن الموقف الأميركي يرسم مواصفات عامة للبديل: سلطة مدنية لا يقودها طرفا الحرب، تنشأ عبر عملية سياسية سودانية، وتستند إلى وقف القتال ووصول المساعدات وإعادة توحيد مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، يطرح مراقبون عدة تصورات للمرحلة المقبلة، من بينها تشكيل سلطة مدنية انتقالية توافقية تضم قوى سياسية ومهنية ومجتمعية غير منخرطة في الحرب، مع ترتيبات دولية وإقليمية لمراقبة وقف إطلاق النار وحماية الانتقال.
ويطرح تصور آخر إنشاء مجلس مدني واسع يمثل الأقاليم والنساء والنازحين وغرف الطوارئ والنقابات، يتولى اختيار حكومة تكنوقراط محدودة المهام، بالتوازي مع معالجة ملف القوات المتحاربة عبر ترتيبات أمنية منفصلة عن مؤسسات الحكم.
كما يطرح مراقبون سيناريو يقوم على تخلي القيادتين عن الطموح السياسي المباشر مقابل ضمانات مرتبطة بالخروج الآمن أو ترتيبات للمساءلة، مع إبقاء ممثلين مؤسسيين للجيش والقوى المسلحة داخل المسار الأمني، لا داخل قيادة الدولة.
لكن جميع هذه التصورات تصطدم بحقيقة أساسية: القوى المدنية لا تمتلك قوة عسكرية تفرض الانتقال، فيما لا يتخذ البرهان قراراته بمعزل عن القوى المسلحة المتحالفة معه وشبكات المصالح داخل مؤسسات الدولة، بما فيها القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية (الإخوان). وفي المقابل، تسعى قوات الدعم السريع وحلفاؤها إلى تكريس هياكل حكم موازية في مناطق سيطرتهم، بما يعقد مهمة إعادة بناء سلطة وطنية موحدة.
اختبار الإرادة الأميركية
تكمن أهمية تصريحات بولس في أنها تحدد وجهة السياسة الأميركية بصورة أكثر وضوحاً، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في الأدوات التي ستستخدمها واشنطن لتحويل هذا الموقف إلى مسار قابل للتنفيذ.
فإبعاد قائدي الحرب يتطلب أكثر من التصريحات: وقف تدفق السلاح والتمويل، وتوسيع العقوبات على معرقلي التسوية، وفرض مراقبة للهدنة، وتوفير ضمانات للمدنيين، ومنع القوى المسلحة أو شبكات النظام السابق من إعادة إنتاج الحكم العسكري تحت واجهة مدنية.
كما يحتاج ذلك إلى توافق داخل الرباعية وبينها وبين الخماسية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، حتى لا تتحول الخلافات بشأن شرعية الجيش ومستقبل قيادته إلى مسارات متنافسة يستفيد منها طرفا الحرب لإطالة النزاع.
الرسالة الأميركية أصبحت واضحة: مستقبل السودان، وفق الرؤية التي طرحها بولس، لا ينبغي أن يكون مكافأة لأحد قائدي الحرب. لكن السؤال لم يعد فقط مَن يغادر، بل مَن يملك الشرعية والقدرة على ملء الفراغ؟
وبينما يطرح البرهان انتصار الجيش مدخلاً لاستمرار نفوذه في الحكم، ويسعى حميدتي وحلفاؤه إلى تثبيت سلطة موازية في مناطق سيطرتهم، تقول واشنطن إن الطريق يجب أن ينتهي بحكم مدني بعيداً عن الرجلين.
أما نجاح هذا الخيار، فسيتوقف على تحويل القوى المدنية من عنوان في المبادرات الدبلوماسية إلى قوة سياسية موحدة ومنظمة، وعلى امتلاك المجتمع الدولي الأدوات والإرادة اللازمة لوقف تدفق السلاح قبل أن يطلب من السودانيين بناء دولة جديدة فوق أنقاض الحرب.
إقرأ المزيد


