آيم-لبنانون - 9/13/2026 5:35:46 AM - GMT (+2 )
كتب منهل باريش في القدس العربي:
أعادت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جبل الشيخ السوري، الأربعاء 9 أيلول طرح السؤال عن قدرة الوساطة الأميركية على تحويل التقارب مع دمشق إلى التزامات إسرائيلية بالانسحاب ووقف الاعتداءات. وجاءت الجولة بعد ساعات من لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بالمبعوث الأميركي توماس براك في أنقرة، وسط استمرار الاتصالات السورية-الإسرائيلية وتعثر التوصل إلى اتفاق أمني.
ولا يثبت التزامن أن الزيارة نُظمت رداً على اللقاء. لكن إعلان التمسك بالمواقع العسكرية، بالتوازي مع الإشادة الأميركية بالحوار مع دمشق، يكشف المسافة بين بناء الثقة مع القيادة السورية والحصول على موافقة إسرائيلية على تغيير انتشار قواتها.
وخلال الجولة التي رافقه فيها وزير الدفاع يسرائيل كاتس وقيادات عسكرية، عرض نتنياهو السيطرة على المنطقة باعتبارها من نتائج الحرب، وأكد منع تمركز قوات معادية قرب الحدود. أما كاتس فأعلن استمرار الوجود الإسرائيلي في المواقع التي تسميها إسرائيل «مناطق أمنية» داخل سوريا، وربط وظيفة هذا الانتشار بمراقبة تحركات حزب الله في البقاع اللبناني أيضاً.
تضع هذه المواقف أمام براك مسألة تتجاوز ترتيب اللقاءات: ما الذي تقبل إسرائيل الالتزام به مقابل المطالب الأمنية التي تطرحها على دمشق؟ فاستمرار التفاوض لا يوضح، بمفرده، ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية مستعدة للانسحاب، أو تريد التوصل إلى تفاهم يسمح باستمرار قواتها في الأراضي السورية.
وتكمن أهمية الزيارة بالنسبة إلى الوسيط في أنها جاءت من الموقع الذي يفترض أن يشمله التفاوض. فالموقف يختبر قدرة براك على التمييز بين مطالب إسرائيل الافتتاحية وحدود استعدادها الفعلي للتسوية. ولا يمكن حسم هذا التمييز من التصريحات وحدها؛ إذ يحتاج إلى مقترحات محددة تتيح مقارنة ما تطلبه الحكومة الإسرائيلية بما تعرضه في المقابل.
بحسب بيان الخارجية السورية، تناول لقاء الشيباني وبراك مساء الثلثاء 8 أيلول تعزيز العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة. وأشاد المبعوث الأميركي، في تعليقه على اللقاء، بجدية الوزير السوري في خفض التوتر، واعتبر ضبط النفس والحوار من مظاهر القوة. ورد الشيباني بالتأكيد على حق السوريين في السلام والاستقرار، مثنياً على جهود براك.
ولم تتضمن المعلومات المعلنة تفاصيل عن مقترح للانسحاب الإسرائيلي أو ضمانات لتنفيذه. ولذلك تعكس التصريحات استعداداً لمواصلة العمل الدبلوماسي، من دون أن تسمح بالحديث عن اختراق في ملف الجنوب.
وتكشف تصريحات إسرائيلية سبقت اللقاء جانباً من العقبات. ففي 2 أيلول، أقر مسؤول دبلوماسي إسرائيلي رفيع بتعثر محاولة التوصل إلى اتفاق أمني، موضحاً أن إسرائيل رفضت الانسحاب من المنطقة العازلة لأنها تعتبرها ذات قيمة أمنية. وأكد، في الوقت نفسه، بقاء قنوات الاتصال مع دمشق مفتوحة.
ويحتاج المسار إلى توضيح معنى الضمان الأميركي. فهل يقتصر دور واشنطن على نقل التعهدات وتسهيل الاتصال، أم يشمل متابعة التنفيذ والتدخل عند الإخلال به؟ الفرق جوهري بالنسبة إلى دمشق، التي قد تقدم التزامات يمكن مراقبتها فوراً، بينما يتوزع الانسحاب الإسرائيلي على مراحل لاحقة. ومن دون معالجة هذا التفاوت، قد يبدأ تطبيق الاتفاق من طرف واحد.
ويمكن أن تساعد الإجراءات المرحلية في اختبار النيات قبل الاتفاق الشامل، شريطة ألا تتحول إلى بديل عنه. فتراجع التوغلات، وتحديد قنوات معالجة الحوادث، وتمكين السكان من الوصول إلى أراضيهم، كلها مؤشرات يستطيع الجانب السوري رصدها. وفي المقابل، يظل استمرار العمليات أثناء المحادثات عاملاً يضعف الثقة بأن التفاوض سيغير شروط الحياة في المناطق المتضررة.
حدود الاتفاق الممكن
يقدم إيهود يعاري، معلق شؤون الشرق الأوسط في القناة 12 الإسرائيلية، تقديراً أكثر مرونة من خطاب البقاء العسكري. ففي تصريحات نشرت في 10 أيلول، رأى أن إسرائيل تسعى إلى ترتيب أمني شامل مع سوريا، دون الوصول إلى معاهدة سلام، يسمح بامتداد سلطة دمشق جنوباً مع تقييد انتشار التشكيلات العسكرية الكبيرة.
وبحسب يعاري، يمكن لإسرائيل تقديم تنازلات بشأن الأراضي التي تسيطر عليها إذا توافرت ترتيبات مناسبة تتعلق بنوعية القوات السورية وأعدادها. لكنه أدرج ضمن المطالب الإسرائيلية الحفاظ على حرية استخدام الأجواء السورية للعمليات الإقليمية.
وأشار أيضاً إلى أن قناة الاتصال القائمة منذ وصول الحكومة السورية الجديدة ساعدت على حل مشكلات متعددة. وتبقى هذه قراءة يعاري للموقف الإسرائيلي، ولا تمثل تعهداً حكومياً بالانسحاب أو إعلاناً عن شروط متفق عليها.
وتحضر تركيا ضمن هذا الاختبار بوصفها طرفاً في علاقة دمشق الخارجية، فيما يتولى براك منصب السفير الأميركي في أنقرة. وقد يساعد موقعه على نقل المخاوف بين الأطراف، لكنه لا يلغي تعارض مصالحها. وتحتاج الوساطة إلى تحديد المخاطر العسكرية المقصودة بدقة، كي لا يتحول الاعتراض على قدرة بعينها إلى قيد شامل على تعاون سوريا الدفاعي.
الانتخابات واتساع المطالب
تحضر الانتخابات الإسرائيلية في خلفية الجولة، لكن أثرها على التفاوض لا يمكن اختزاله في افتراض أن نتنياهو سيقبل اتفاقاً أو يرفضه لأسباب انتخابية. ففي سياق المنافسة السياسية، قد يستفيد من التشدد، وقد يسعى إلى تقديم تفاهم ترعاه واشنطن بوصفه نجاحاً. ولذلك لا تكفي صورة الزيارة لتحديد خياره المقبل.
وبالنسبة إلى براك، يقتضي ذلك السعي إلى التزامات قابلة للتحقق تتجاوز التصريحات الموجهة للجمهور الإسرائيلي. فجدول إعادة الانتشار، ونطاق وقف العمليات، وآلية معالجة الخروقات، تقدم مؤشرات أدق إلى اتجاه الحكومة من اللغة المستخدمة خلال جولة عسكرية. ويضيف الربط بين جبل الشيخ ولبنان صعوبة أخرى. فإذا كانت إسرائيل تمنح وجودها داخل سوريا وظائف تتعلق بمواجهة حزب الله، فإن التفاوض مع دمشق سيحتاج إلى تحديد ما يمكن للحكومة السورية الالتزام به داخل أراضيها، وما يقع خارج سلطتها. وإلا أصبح تنفيذ التزاماتها رهينة تطورات على جبهة أخرى.
ويحمل ربط الجبهتين السورية واللبنانية مخاطر تفاوضية على الدولتين. فقد يؤدي إلى تأجيل معالجة خرق داخل سوريا بذريعة تصعيد في لبنان، أو العكس، من دون أن يكون لأي من الحكومتين تحكم كامل في أسباب التصعيد. ولهذا تصبح استقلالية الالتزامات المتعلقة بكل ساحة عن الأخرى مسألة مهمة في منع اتساع الذرائع المستخدمة لتبرير البقاء العسكري.
وتحتاج الوساطة، تبعاً لذلك، إلى فصل الالتزامات الممكن التحقق منها عن المطالب المفتوحة. تستطيع دمشق أن تفاوض بشأن انتشار قواتها وضبط حدودها، لكنها لا تستطيع ضمان انتهاء كل تهديد إقليمي تعتبره إسرائيل سبباً للبقاء.
كما أن إطالة المحادثات تفرض كلفة على سكان الجنوب، الذين ترتبط مصالحهم بالأمان والتنقل والوصول إلى الأراضي الزراعية. وإدراج هذه الحقوق ضمن خطوات التنفيذ يمنح الاتفاق اختباراً يومياً، ويتيح قياس أثره خارج البيانات السياسية.
ويظل الاختبار الأوضح لبراك هو الحصول على إجابة إسرائيلية محددة: متى يبدأ الانسحاب، ومن أي مواقع، وما الالتزامات المقابلة له؟ وحتى تظهر هذه الإجابة، ستبقى إشادات واشنطن بالحوار مؤشراً إلى جودة العلاقة مع دمشق، فيما ينتظر السوريون ما يثبت قدرتها على تغيير السلوك الإسرائيلي على الأرض.
إقرأ المزيد


