حرب ترامب على إيران.. شبح «الحروب الأبدية» يلاحق واشنطن
صوت بيروت إنترناشونال -

عندما خاض دونالد ترامب حملته للعودة إلى البيت الأبيض، تعهد بأن يكون “رئيساً للسلام” ينهي الحروب الخارجية ولا يبدأها. لكن بعد نحو ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر 2001 التي دفعت الولايات المتحدة إلى إطلاق “الحرب على الإرهاب”، يجد ترامب نفسه منخرطاً في حرب يقول محللون إنها قد تتحول إلى نسخته الخاصة من “الحروب الأبدية”.

ومع اقتراب ذكرى هجمات 11 سبتمبر، تبرز في أوساط السياسة الخارجية الأميركية مقارنات بين حرب ترامب على إيران والحربين الطويلتين والمثيرتين للانقسام في أفغانستان والعراق، إلى جانب تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تجاهلت مجدداً دروس الصراعات السابقة وفشلت في وضع استراتيجية خروج واضحة.

وقال سينا توسي من مركز السياسة الدولية في واشنطن إن ترامب كسر قيداً ترسخ بعد حربي العراق وأفغانستان، تمثل في تجنب خوض حرب كبرى جديدة مفتوحة الأمد في الشرق الأوسط، محذراً من أن ذلك قد يترك لخلفه مواجهة أميركية متجذرة.

وتقول الإدارة الأميركية إن الحرب على إيران تختلف جذرياً عن حربَي العراق وأفغانستان، إذ لم تسع واشنطن هذه المرة إلى إسقاط حكومة معادية أو نشر آلاف الجنود للسيطرة على أراضٍ والاحتفاظ بها، كما أن الخسائر البشرية أقل بكثير.

وبدلاً من ذلك، تعتمد الولايات المتحدة أساساً على القوة الجوية والبحرية، في عمليات ألحقت أضراراً عسكرية واقتصادية بإيران، لكنها لم تهزمها ولم تدفع الإيرانيين إلى الإطاحة بحكامهم، رغم دعوة ترامب لهم في البداية إلى ذلك.

لكن بعد ستة أشهر على اندلاع الحرب، وجدت الولايات المتحدة نفسها في حرب استنزاف تتخللها موجات من القتال، تجسدت هذا الأسبوع في الهجمات المتبادلة على ناقلات النفط، بالتزامن مع محاولة ترامب تشديد الخناق الاقتصادي على طهران.

ويحذر محللون من أن الحرب قد تستمر إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر، وسط مخاوف من أن تؤثر معارضة الناخبين للحرب على فرص الحزب الجمهوري، الذي ينتمي إليه ترامب، في الاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس.

وكما حدث في العراق وأفغانستان، لا يبدو أن هناك مخرجاً واضحاً للحرب، فيما تتزايد أعباؤها الاقتصادية على الأميركيين. فقد أدى تعطيل طهران لشحنات النفط عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، كما أضعفت الحرب معدلات تأييد ترامب وقوضت مكانة واشنطن الدولية، وهي تداعيات ارتبطت أيضاً بالحربين السابقتين.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن ترامب وحده “امتلك الشجاعة” لمواجهة إيران بشأن برنامجها النووي، مؤكدة أنه حقق جميع أهدافه، وأن الاقتصاد الإيراني يتعرض لضغوط شديدة بفعل العقوبات المشددة والحصار البحري الأميركي. ولم ترد كيلي مباشرة على أسئلة بشأن مدى ارتباط الحرب على إيران بإرث التدخلات العسكرية الأميركية بعد هجمات 11 سبتمبر.

دروس جرى تجاهلها؟

يرى محللون أن ترامب أخفق في استخلاص دروس أساسية من حقبة ما بعد 11 سبتمبر، من بينها العواقب السياسية للحروب طويلة الأمد، والمخاطر التي يمثلها خصم يمتلك عقيدة راسخة ويقاتل من أجل بقائه.

وأدت هجمات 11 سبتمبر إلى حربين استمرتا سنوات، بدءاً بغزو أفغانستان حيث كان قادة تنظيم القاعدة يتمركزون، ثم غزو العراق عام 2003 استناداً إلى معلومات استخباراتية ثبت لاحقاً خطؤها بشأن امتلاك بغداد برامج لإنتاج أسلحة دمار شامل.

وأدت حربا الرئيس السابق جورج دبليو بوش إلى إنهاك القوات المسلحة الأميركية وزعزعة استقرار الشرق الأوسط. كما ساهم الرفض الشعبي الأميركي لهما في صعود ترامب قبل نحو عقد، قبل أن يفوز بولاية ثانية عام 2024 متعهداً بتجنب المغامرات العسكرية والتركيز على الأوضاع الاقتصادية للأميركيين.

ويرى محللون أن ترامب ومساعديه ربما أخطأوا، كما فعلت إدارة بوش مع خصومها في العراق وأفغانستان، في تقدير قدرة إيران على الصمود وتعطيل نحو خُمس شحنات الطاقة العالمية.

ولم تكن “عملية ملحمة الغضب” التي شنها ترامب بالتعاون مع إسرائيل في 28 فبراير مدفوعة بصدمة وطنية مماثلة لهجمات 11 سبتمبر، بل اعتبرها منتقدون حرباً اختيارية، فيما شكك خبراء في تأكيدات ترامب بأن البرنامج النووي الإيراني كان يشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة.

وربما تستلهم إيران تجربة حركة طالبان في أفغانستان، التي عادت إلى السلطة قبل خمس سنوات عقب انسحاب أميركي فوضوي، ومفادها أن خصماً يمتلك الإرادة يمكنه الصمود أمام قوة عسكرية متفوقة إلى أن يؤدي الضغط الداخلي إلى إضعاف عزيمتها.

وأظهرت الحرب أيضاً كلفة خوض صراع مع عدد محدود من الحلفاء. فقد تمكن بوش من تأمين دعم دولي واسع قبل شن الحربين على العراق وأفغانستان، وإن تراجع ذلك الدعم مع مرور الوقت.

أما ترامب، فهاجم إيران من دون تشاور مسبق أو تبرير يذكر، ليجد أن معظم القادة في أوروبا وآسيا يقاومون مطالبه بتقديم المساعدة. وتوترت علاقاته مع حلفائه أصلاً بسبب تهديده بالاستيلاء على غرينلاند، وتشكيكه في دور حلف شمال الأطلسي، وتقليصه إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا، وفرضه رسوماً جمركية واسعة على شركائه التجاريين.

تكلفة باهظة على الحلفاء

تشابهت حرب إيران مع غزو العراق في امتداد تداعياتها إلى المنطقة على نحو بدا أنه فاجأ واشنطن، إذ شنت طهران هجمات على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج.

وفي وقت تسعى فيه الدول المجاورة لإيران بهدوء إلى احتواء تصعيد لم تكن ترغب فيه أساساً، أعرب مسؤول خليجي عن أسفه لما اعتبره تكراراً لبعض أخطاء الحربين اللتين أعقبتا هجمات 11 سبتمبر.

وقال المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه: “ما هي الاستراتيجية الأميركية هنا؟”.

وفي حين انتهت حربا العراق وأفغانستان كصراعين يفتقدان إلى التأييد الشعبي، فإنهما بدأتا بتأييد قوي داخل الولايات المتحدة. أما حرب ترامب على إيران فلم تحظَ بالمستوى نفسه من التأييد منذ بدايتها، وواجه الرئيس انتقادات حتى من شخصيات بارزة مرتبطة بحركة “أميركا أولاً”.

وكان ترامب يتوقع في البداية تكرار الانتصار السريع الذي حققه إثر العملية التي نُفذت في الثالث من يناير وأدت إلى إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكن الحملة على إيران تحولت بدلاً من ذلك إلى حالة جمود مقلقة، ولم تحقق معظم أهداف ترامب المتغيرة، بما فيها إنهاء البرنامج النووي الإيراني، كما استنزفت مخزونات وزارة الدفاع الأميركية من الصواريخ.

ومع ذلك، لا يخلو ترامب من المدافعين عن سياساته. فقد رفض مارك دوبويتز، رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، القول إن ترامب زج بالولايات المتحدة في حرب بلا نهاية، مؤكداً أن الرئيس حقق نجاحات ستقود في نهاية المطاف إلى النصر.

وقال دوبويتز: “إنها حرب تشنها الجمهورية الإسلامية على أميركا منذ 47 عاماً… والآن نرد الضربة”.

The post حرب ترامب على إيران.. شبح «الحروب الأبدية» يلاحق واشنطن appeared first on صوت بيروت إنترناشونال.



إقرأ المزيد