آيم-لبنانون - 8/28/2026 5:20:04 AM - GMT (+2 )
تأتي زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى طهران في لحظة تبدو فيها الحرب الأميركية – الإيرانية وقد دخلت استعصاء كبيرا بين عجز القوة العسكرية عن إنتاج نهاية سياسية، وعجز العقوبات عن انتزاع استسلام إيراني سريع. تبدو مبادرة قطرية كمحاولة للبناء على المسار الذي فتحته سلطنة عُمان مع إيران حول مضيق هرمز، في سعي لتحويل تفاهم ملاحي محدود إلى مدخل لإعادة واشنطن وطهران إلى التفاوض، كما تصبّ المبادرة في مجمل المساعي الدبلوماسية التي تعمل عليها أطراف أخرى، وعلى رأسها باكستان، التي زار قائد جيشها عاصم منير طهران مؤخرا. جوهر المهمة التي أعلنتها الدوحة، ضمن هذا السياق السياسي، هو خفض التصعيد، وتهيئة الظروف للحوار، والعمل على ممر ملاحي موقت وتطهير المضيق من الألغام.
في هذه النقطة بالذات تكمن أهمية التحرك القطري، فلو أخذنا بالاعتبار الغضب الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من سياق المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية والسلطنة الذي أوصل إلى التفاهم الذي أعلنت عنه طهران مع مسقط، فسنتساءل عن الاختلاف أو التشابه بين المبادرتين القطرية والعمانية. يرجع غضب دونالد ترامب إلى أن الاتفاق الذي تتفاوض عليه مسقط وطهران لا يكتفي بإعادة الملاحة، بل يمكن أن يكرّس لإيران دوراً معترفاً به في إدارة المضيق، بينما كان أحد أهداف الولايات المتحدة تقليص هذا الدور. والأهم أن واشنطن شعرت بأنها استُبعدت من ترتيبات تتعلق بممر تعتبره جزءاً من أمن الطاقة العالمي، إلى حد أن ترامب هدد عُمان علناً إذا وقفت في طريق الاتفاق الذي تريده الولايات المتحدة. تصدّي الدوحة لهذا المسار الحساس يدل على مسعى لإيجاد مناطق مشتركة بين الطرفين المتصارعين، مع أخذ التجربة العُمانية، والوساطة الباكستانية، في سلّة واحدة.
لا يعكس اختيار قطر السير في هذا الطريق، بهذا المعنى، تحدياً لواشنطن بقدر ما يعكس إدراكاً خليجياً متزايداً بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يُدار إلى الأبد بمنطق القوة، سواء كانت أميركية أو إيرانية. فالدوحة، مثل مسقط، حليف للولايات المتحدة لكنها تعيش جغرافياً داخل المنطقة التي تدفع الثمن عندما تندفع إيران والولايات المتحدة إلى الحرب. ولذلك فإن مصالحها تفرض عليها إبقاء قناة مع طهران، لا انتظار قرار يصدر من واشنطن.
من اللافت للانتباه أن التحرك القطري جاء بعد حديث خاص أدلى به ترامب لقناة «الجزيرة»، أكد فيه أنه ليس في عجلة للعودة إلى المفاوضات وأن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستستمر. قد لا يكون هذا دليلاً على تنسيق مسبق، لكنه يمنح قطر موقعاً فريداً: فهي تسمع خطاب واشنطن مباشرة، وتستطيع في الوقت نفسه اختبار حدود المرونة الإيرانية. إنها الدبلوماسية بوصفها إدارة للفجوة بين خصمين، لا مجرد نقل رسائل بينهما.
يعلم القطريون، وقادة دول الخليج طبعا، أن هرمز نفسه لم يتغير، لكن معطيات الصراع أوصلتهم إلى ملاحظة مفارقة كبيرة: لقد تمكّن العالم من تحمل الإغلاق الجزئي للمضيق بشكل أفضل مما كان متوقعاً، وذلك بفضل المخزونات وخطوط الأنابيب السعودية والإماراتية وتراجع الطلب الصيني وارتفاع الإنتاج الأميركي. لكن عوامل الحماية هذه تُستنزف، ما يجعل المرحلة المقبلة أخطر إذا استمر الإغلاق، لكن الأزمة كشفت، في الوقت نفسه، تحولاً أعمق: لقد باتت الولايات المتحدة أقل تعرضاً لصدمات الطاقة، بينما تتحمل الاقتصادات الأفقر والمستوردة جزءاً أكبر من كلفة الحرب.
وهنا تظهر «مفارقة هرمز» الأخرى: كلما استخدمت إيران المضيق كسلاح، سارعت دول الخليج إلى بناء طرق بديلة، بما قد يقلص أهميته الاستراتيجية خلال سنوات. حسب صحيفة الغارديان البريطانية فإن الاعتماد السعودي والإماراتي والعراقي على هرمز يمكن أن ينخفض بشدة مع توسع خطوط الأنابيب، وأن عُمان قد تتحول إلى مركز رئيسي لتصدير الطاقة خارج الخليج.
في المقابل، تشدد واشنطن حصارها الاقتصادي، مستهدفة في حملة العقوبات الجديدة، عزل إيران ورفع كلفة تعامل شركائها معها، غير أن الحملة تكشف أيضاً حدود القوة الأميركية: فالضغط على الصين مثلاً قد يهدد مصالح واشنطن التجارية أيضا.
قيمة المبادرة القطرية في أنها تحاول الخروج من المعادلة الخاطئة التي تحصر الخيارات بين إخضاع إيران أو خضوع المنطقة لتهديدها. الحل الأكثر واقعية هو نظام إقليمي تصبح فيه حرية الملاحة حقاً جماعياً لا سلاحاً إيرانياً ولا امتيازاً أميركيا، وإذا نجحت الدوحة في تحويل نموذج الاتفاق العُماني يسير خطوة أكبر نحو هذا الاتجاه، فهي لن تكون قد فتحت مضيق هرمز فقط، بل ربما تكون قد فتحت ممراً أضيق وأهم: طريق العودة من الحرب إلى السياسة.
إقرأ المزيد


