معركة السلطان يعقوب: ظهور سرّ الجندي الثالث يهودا كاتس
آيم-لبنانون -

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

كما فاجأت إسرائيل العالم بالكشف، في بداية نيسان 2019، عن استعادة رفات الجندي زكريا باومل، الذي فُقد في معركة السلطان يعقوب في البقاع الغربي في 10 حزيران 1982، وكما أعلنت عن استعادة رفات الجندي الثاني تسيفي فيلدمان في أيار 2025، أكملت سلسلة المفاجآت بالإعلان، في 18 آب الحالي، عن العثور على جثة الجندي الثالث يهودا كاتس واستعادة رفاته، لتسدل بذلك الستار على سلسلة من عمليات البحث التي استمرت على مدى 44 عامًا، سخّرت فيها كل إمكانات أجهزة مخابراتها وقواتها العسكرية بحثًا عن جنودها الثلاثة، بينما لا تزال تسخّر كل الطاقات للكشف عن مكان دفن جثتي عميل الموساد إيلي كوهين والطيار رون أراد، وسائر اليهود اللبنانيين الأحد عشر الذين خُطفوا وقُتلوا ودُفنوا في لبنان.

فجر السابع من آذار 2026 استفاق اللبنانيون والعالم على خبر صاعق يتعلق بعميلة إنزال إسرائيلية في بلدة النبي شيت في البقاع بحثًا عن رفات رون أراد. ولكن لم تحقق العملية أهدافها وتبيّن أن القبور التي نُبِشت والعظام التي نُقلت منها لم تكن لأراد. هذه النتائج ظهرت مباشرة بعد العملية. والمفاجأة التي أعلن عنها رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتيناهو عن العثور على رفاة الجندي الثالث ربما شكّلت تعويضًا عن فشل عملية النبي شيت. ولكن هل لهذه العملية علاقة بالعثور على هذه الرفات؟

خطف أحمد شكر
لم تأتِ عملية النبي شيت من فراغ. في 17 كانون الأول 2025 نجحت إسرائيل بخطف النقيب المتقاعد في الأمن العام اللبناني أحمد شكر في عملية أمنية معقدة بدأت في زحلة وانتهى به الأمر معتقلا في إسرائيل. كيف تمكّن الموساد الإسرائيلي من نقله إلى إسرائيل؟ هذا الأمر بقي سرًّا ولم يكشف عنه مع الترجيح أن يكون نُقِل برًّا إلى الجولان ومنها إلى إسرائيل. حصل ذلك بعد انهيار نظام الأسد في سوريا وسيطرة إسرائيل على سلسلة التلال في سلسلة الجبال الفاصلة بين لبنان وسوريا. من هذه المناطق نفذت إسرائيل عملية الإنزال في النبي شيت حيث استخمدت عددا من الطوافات بالإضافة إلى سيارات إسعاف طبية مموّهة.

أحمد شكر من بلدة النبي شيت وقيل إنّ سبب خطفه يعود لكونه شقيق أحد المسؤولين السابقين في «حزب الله» الذي شارك في عملية ميدون في أيار 1988 التي نفذتها إسرائيل بحثًا عن رون أراد، وقيل إنّه اختفى بعد هذه العملية ولم يعد يظهر له أثر. وقيل أيضًا إن سبب الخطف يعود إلى أنّ شكر يعرف مكان دفن أراد في المقبرة الخاصة بعائلتهم في النبي شيت. ولكن فشل العملية تم تفسيره بأن «حزب الله» بعد خطف شكر قد يكون نقل رفات أراد إلى مكان آخر لأنّه كان يعرف الهدف من خطف شكر وأن إسرائيل ستعود للبحث عن أراد. وقد استغلت الحرب الدائرة مع «الحزب» لتنذر سكان بلدات النبي شيت والقرى المحيطة بها بالابتعاد عنها. غزارة النيران التي استعملتها القوة المهاجمة نتج عنها دمار كبير وسقوط 26 قتيلا من «الحزب» والأهالي بينهم ثلاثة جنود من الجيش اللبناني.

بين النبي شيت والسلطان يعقوب
كما في قضية أراد لم تترك إسرائيل جنودها الثلاثة الذين فُقدوا في معركة السلطان يعقوب وبذلت جهودًا كبيرة للكشف عن مكان دفنهم واستعادة جثثهم. كانت لديها معلومات أنّهم دفنوا في عيتا الفخار في البقاع ولكن بعد التدخل الروسي في الحرب السورية تبدّلت المعطيات نتيجة إنكشاف الساحة السورية أمنيًا أمام الموساد، في ظل تعاون واضح ومكشوف من السلطات الروسية التي ساعدت في إعادة ساعة يد إيلي كوهين إلى إسرائيل ورفات زكريا باومل ودبابة أم 48 كان يقودها وكان قدّمها النظام السوري إلى الاتحاد السوفياتي وأعادها الرئيس الروسي بوتين إلى تل أبيب. كما نجحت إسرائيل في استعادة رفات تسيفي فيلدمان من مخيم اليرموك القريب من دمشق الذي شهد جولات من القتال بين النظام السوري وفصائل المعارضة قبل أن يسقط هذا النظام كله في 9 كانون الأول 2024. هذا الإنجاز الإسرائيلي كشف أن جثث الجنود الثلاثة لم تكن في لبنان، أو على الأقل جثتي الجنديين اللذين استعادت إسرائيل رفاتهما، ليبقى السر الثالث مستورًا حتى كشف عنه نتنياهو في 18 آب الحالي.

زياد الحمصي كان هناك
حصلت معركة السلطان يعقوب الساعة الثانية فجر 10 حزيران 1982. الصور القليلة المنشورة عن تلك المعركة تقتصر على تلك التي التقطها زياد الحمصي الذي كان القائد العسكري لوحدات «جيش لبنان العربي»، وكان مشاركًا في هذه المواجهة مع مجموعة عسكرية تابعة له.

يروي الحمصي في كتابه «لغز الجنود الإسرائيليين الثلاثة» الصادر عام 2019 أنّ تنسيقًا عسكريًّا ميدانيًا حصل بين قادة عسكريين فلسطينيين وسوريين ولبنانيين مشاركين في المواجهة عند الساعة الثانية عشرة ليلة 10 حزيران خلف مخفر بيادر العدس بعد رصد تحركات إسرائيلية وبعد توفر معلومات من قائد اللواء السوري المدرّع، العميد علي حبيب، بأن أوامر صدرت إليه بالقتال حتى الموت للحؤول دون تمكّن الجيش الإسرائيلي من التوغّل وقطع طريق بيروت – دمشق في المصنع والوصول إلى شتورة وزحلة ورياق. الساعة الثانية فجرًا بدأ هجوم نحو 150 مدرّعة إسرائيلية من دون مواكبة قوات المشاة فتعرّضت لإطلاق الصواريخ والقذائف المضادة للدروع التي أصابت عددًا منها ودمّرتها وأوقعت فيها خسائر بشرية، الأمر الذي أدّى إلى قرار فوري إسرائيلي بالتراجع فانسحبت المدرعات وتوقف إطلاق النار. مع ساعات الصباح الأولى ظهرت الخسائر الإسرائيلية، تقدم زياد الحمصي مع عدد من العناصر والتقط صورًا لعدد من المدرعات الإسرائيلية السليمة والمدمّرة ومن بينها صورة المدرعة التي سُلِّمت إلى موسكو واستعادتها إسرائيل. وقد ظهرت في عدد من الصور جثة الجندي الإسرائيلي زكريا باومل… ويقول الحمصي إنه بعد نصف ساعة من التقاطه الصور للمدرعة السليمة وصلت تعليمات لقائد اللواء السوري تطلب سحب الدبابات الأسيرة بما فيها الدبابات الثلاث المدمرة وذلك فور تلقي البرقية وإلى دمشق مباشرة».

الموساد على الخط
منذ ذلك التاريخ بقي مصير فيلدمان وكاتس وباومل مجهولا. حتى في عمليات تبادل الأسرى والجثث لم تظهر أي آثار لهم. على رغم أن الحمصي نشر الصور منذ بداية التسعينات، إلا أن إسرائيل لم تحاول التواصل معه إلا عام 2005 من خلال عملية تضليل اعتمدتها للإيقاع به وتجنيده، وكان صار رئيس بلدية سعدنايل، عبر اتصال من بلدية بكين في الصين، ثم عبر تأمين عمل تجاري في شركة صينية وتأسيس شركة في لبنان تستورد منتوجات هذه الشركة، ودفع مرتب شهري له، قبل أن يظهر أن الموساد وراء هذه العملية وقبل أن يطلب منه التعاون في البحث عن مكان وجود جثث الجنود الثلاثة. بعد ذلك طلب الحمصي من النائب، وقتها، اسماعيل سكّرية أن يؤمّن التواصل بينه وبين النائب محمد رعد لإطلاع «حزب الله» على ما تريده إسرائيل. ولكن لم يتأمن التواصل. بعد عملية 7 أيار 2008 والاشتباكات في منطقة سعدنايل وتعلبايا مع «الحزب»، أبلغ الحمصي ضابطًا في شعبة المعلومات بالأمر فطلب منه كتابة تقرير لإرساله إلى رئيس الشعبة اللواء وسام الحسن. كتب الحمصي التقرير وسلّمه للضابط. عرض الحسن الأمر على مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي لتأمين غطاء قضائي أمني للحمصي لكي يستمر بالعمل مع الموساد بعلم الشعبة. في آخر لقاء مع الإسرائيليين في أيار 2009 في تايلاند تسلّم الحمصي خريطة عسكرية حُدِّدت عليها ست نقاط قال الإسرائيليون إنّ جثث الجنود مدفونة فيها ويظهر أنّها في عيتا الفخار. التقى الحمصي الضابط في المعلومات وسلّمه الخريطة. بعد أيام اعتقلته مديرية المخابرات بتهمة التعامل مع الموساد.

من عيتا الفخار إلى اليرموك؟
هل كانت المواقع المحددة على الخريطة صحيحة؟ أم لاختبار صدقية الحمصي؟ لماذا اعتقل الحمصي بعد حصوله على الخريطة وكيف استطاعت مديرية المخابرات اكتشاف علاقته مع الموساد ولم يؤخذ بداية بواقعة تواصله مع شعبة المعلومات التي كانت اكتشفت أكثر من شبكة تتعامل مع الموساد؟ إذا كانت إسرائيل حتى عام 2009 تمتلك معلومات عن مكان دفن الجثث الثلاث في لبنان فكيف انتقل البحث عنها إلى مخيم اليرموك قرب دمشق؟ وإذا كان صحيحًا أن جثتي باومل وفيلدمان كانتا في مقبرة مخيم اليرموك فلماذا عثر على جثة الأول عام 2019 وعلى جثة الثاني عام 2025؟ ولماذا لم يعثر وقتها على جثة يهودا كاتس؟ ويبقى السؤال عن المكان الذي كان مدفونا فيه وكيف اكتشفته إسرائيل وكيف حصلت على الرفات سواء أكان في لبنان أم في سوريا؟

حوكم زياد الحمصي بتهمة التعامل مع العدو وحكمت عليه المحكمة العسكرية بالسجن قبل أن تبرئه محكمة التمييز ويخرج من السجن في أيار 2012. عام 2019 أصدر الحمصي كتابه تحت عنوان «لعز الجنود الإسرائيليين الثلاثة» وسرد فيه قصة المعركة والتواصل مع الموساد والمحاكمة ومشاركاته في الحرب. في 6 تشرين الأول 2025 توفي بعدما صدمته سيارة على طريق سعدنايل وهو يسقي الزهور في حادث عرضي لا يحمل خلفيات أمنية أو جرمية.



إقرأ المزيد