صوت بيروت إنترناشونال - 8/16/2026 10:15:07 PM - GMT (+2 )
بين أزيز الرصاص وصفارات الإسعاف، لم تقتصر معاناة الطواقم الطبية في قطاع غزة على العمل داخل مستشفيات تتعرض للقصف والحصار، بل امتدت إلى الاعتقال والضرب والتعذيب، فيما لا يزال مصير عدد من العاملين في القطاع الصحي مجهولا.
شهادات أطباء وعاملين في مستشفيات غزة تكشف للجزيرة فصولا قاسية من الاعتقال، بدأت في بعض الحالات باقتيادهم من داخل غرف العمليات وأقسام المستشفيات، وانتهت في مراكز احتجاز تفتقر، وفق رواياتهم، إلى أبسط مقومات الحياة.
من غرفة العمليات إلى الاحتجاز
يستعيد الطبيب عصام أبو عجوة، اختصاصي الجراحة العامة في مستشفى الأهلي المعمداني بمدينة غزة، تفاصيل اعتقاله في 18 ديسمبر/كانون الأول 2023، حين أُمرت الطواقم الطبية بمغادرة المستشفى وتسليم أنفسها، رغم وجود مرضى بحاجة إلى تدخلات جراحية عاجلة.
ويقول أبو عجوة إن أصوات القذائف والرصاص كانت تحيط بالمستشفى من كل الجهات، فيما اضطر الأطباء إلى ترك مرضى ينزفون داخل غرف العمليات.
ويستذكر تلك اللحظة قائلا: “تركنا ناسا تنزف.. هذا أكثر ما كان يحز في نفس الإنسان”.
وبحسب شهادته، تعرض للضرب والتكبيل وتعصيب العينين، قبل اقتياده مع عدد من العاملين إلى خارج المستشفى بعد هدم جزء من سوره.
ويقول إن الاعتداءات استمرت خلال عملية نقله إلى داخل الخط الأخضر، مشيرا إلى أن الأطباء تعرضوا للمعاملة ذاتها رغم طبيعة عملهم الإنساني.
“غرفة الموسيقى”.. تعذيب تحت الأضواء الصاخبة
داخل مركز الاحتجاز، يتحدث أبو عجوة عن التحقيق والتعذيب في مكان قال إنه كان يعرف باسم “غرفة الموسيقى”، حيث أضواء قوية ومكبرات صوت تبث موسيقى صاخبة بصورة متواصلة.
ويصف ظروف الاحتجاز بأنها كانت قاسية، قائلا: “ليس لك حقوق؛ لا ماء، ولا شراب، ولا دواء، ولا غطاء”.
كما تحدث عن تعرض المعتقلين للبرد ورش المياه الباردة وتشغيل أجهزة التكييف عليهم، إضافة إلى الضرب الذي قال إنه أدى إلى تكسير أسنانه.
ويضيف: “كنت أسأل نفسي: لماذا أُخذت؟ ولماذا أتعرض لهذا العذاب والشتم؟”.
اقتحام الشفاء واستهداف الطواقم الطبية
وتتكرر تفاصيل الاعتقال في شهادة رياض محمد الزعيم، الذي اعتُقل في 19 مارس/آذار 2024 خلال اقتحام مجمع الشفاء الطبي.
وكان الزعيم نازحا مع عائلته داخل أحد مباني المجمع، حيث يقول إن القوات الإسرائيلية حاصرتهم لمدة يومين من دون طعام أو شراب.
وبعد يومين من الحصار، طُلب من الذكور الذين تزيد أعمارهم على 14 عاما الخروج في مجموعات من خمسة أشخاص، وكان الزعيم ضمن إحدى هذه المجموعات.
ويقول إن المعتقلين تعرضوا أثناء إخراجهم للضرب والإهانة والاعتداء الجسدي، قبل أن تُستدعى الطواقم الطبية الموجودة في المبنى وتُعامل بالطريقة نفسها.
ويؤكد الزعيم أن المعتقلين كُبلوا من أيديهم وأرجلهم وعُصبت أعينهم خلال عملية الاقتياد، مشيرا إلى أن الطواقم الطبية تعرضت، بحسب شهادته، لاستهداف خاص.
ويقول: “حتى حملة شهادة الدكتوراه تعرضوا لضرب مبرح.. كانوا يتعمدون التركيز عليهم في التعذيب والإهانة”.
المستشفيات تحت النار.. والأطباء أمام خيار البقاء
ولم تتوقف معاناة الطواقم الطبية عند الاعتقال، إذ واصلت مستشفيات في شمال القطاع تقديم خدماتها رغم القصف والحرائق والدمار.
الدكتور عيد عبد القادر صباح، مدير تمريض مجمع كمال عدوان الطبي في بيت لاهيا، يقول إن المستشفى استمر في العمل رغم تعرضه للهجمات، فيما كان خطر الانهيار يهدد المنشأة والعاملين فيها.
ويشير صباح إلى أن الاستهداف، بحسب شهادته، طال أيضا عائلات الأطباء والممرضين والمسعفين، إذ كان أفراد منهم يصلون إلى أقسام الاستقبال مصابين، الأمر الذي اعتبره محاولة للضغط على الطواقم الطبية ودفعها إلى مغادرة المستشفيات.
ويقول إن الخوف كان حاضرا، لكنه لم يكن سببا للتخلي عن العمل الطبي، مضيفا: “المسألة ليست مسألة خوف، بل مسألة مبدأ.. هذه أمانة في أعناقنا”.
ويؤكد أن استمرار تقديم الرعاية الطبية تحكمه اعتبارات إنسانية وأخلاقية وقانونية، مستعرضا صورا للدمار الذي لحق بالمستشفى، وبينها قسم العمليات الذي قال إنه احترق بالكامل.
نجل مفقود.. وطفل ينتظر أباه
لكن مأساة صباح لم تتوقف عند حدود المستشفى، إذ اقتحمت القوات الإسرائيلية مجمع كمال عدوان واقتادت عددا من العاملين، بينهم نجله محمد، الذي كان يعمل متطوعا في قسم العلاقات العامة والإعلام خلال الحصار الأخير لشمال القطاع.
ومنذ اقتياد نجله، يقول صباح إنه لم يتمكن من معرفة مصيره، رغم محاولاته الاستفسار عبر المؤسسات الدولية.
ويختصر معاناته بكلمات موجعة: “أنا تائه.. لا أعرف إن كان داخل السجن، أم أنه استشهد”.
ولا تكتمل مأساة العائلة إلا أمام حفيد صغير يحمل صباح صور والده. وعندما يسأله عن الرجل في الصورة، يجيب الطفل: “بابا”.
فالطفل، بحسب جده، لم ير والده قط؛ فقد وُلد بعد اقتياده من المستشفى، ولا يزال ينتظر عودته.
وتكشف هذه الشهادات جانبا من محنة الطواقم الطبية في غزة، التي وجدت نفسها بين واجب إنقاذ المصابين تحت القصف، وخطر الاعتقال والتعذيب، فيما بقيت عائلات أخرى معلقة بين انتظار خبر عن أبنائها والخوف من أن يكون مصيرهم مجهولا خلف القضبان.
The post أطباء غزة خلف القضبان.. من غرف العمليات إلى التعذيب ومصير مفقودين مجهول appeared first on صوت بيروت إنترناشونال.
إقرأ المزيد


