بتوقيت بيروت - 8/14/2026 8:43:45 AM - GMT (+2 )
صدر الصورة، هوتون هول
في قصر ترنت بارك الفخم، شمال لندن، إبان فترة الحرب العالمية الثانية، كان أسرى الحرب النازيون من الضباط البارزين يقضون أوقاتهم في الاسترخاء والدردشة داخل غرف أنيقة بالطابق العلوي، فيما كان “متنصّتون” في الطابق السفلي يتنصتون عليهم، وسجلوا من أحاديثهم معلومات غيّرت مسار الحرب العالمية الثانية.
“بيت الأسرار” في قصر ترنت بارك اسم على مسمّى، ففي الوقت الذي تكشف فيه الواجهة الخارجية وغرف الطابق الأرضي لهذا القصر الأنيق في شمال لندن عن الذوق الرفيع الذي تمتع به عاشق الفنون قبل الحرب، السير فيليب ساسون، فالزائر للقبو سيكتشف قصة غير معروفة على نطاق واسع عن التجسس إبان فترة الحرب العالمية الثانية.
افتُتح ترنت بارك للمرة الأولى كمتحف للجمهور، الشهر الماضي، إحياء لذكرى دوره بالغ الأهمية خلال الحرب، ففي هذا المكان، كان فريق من “المتنصّتين”، كثير منهم من اللاجئين اليهود الألمان، يتنصت على أسرى الحرب الألمان من الضباط البارزين المحتجزين في القصر، وكان أولئك الجنرالات النازيون يجهلون تماماً أن كل كلمة يتفوهون بها كانت تخضع لعملية تنصت. وقد أوقعهم شعور زائف بالأمان في الاطمئنان للأجواء المحيطة، فكشفوا عن معلومات استخباراتية بالغة الأهمية غيّرت مسار الحرب.
صدر الصورة، جيمس أو ديفيز
ورث السياسي وجامع الأعمال الفنية، السير فيليب ساسون، قصر ترنت بارك عام 1912، وفي عشرينيات القرن الماضي بدأ إعادة تصميم الجزء الخارجي والداخلي منه بالكامل، وفق أسلوب يعرف باسم “الأسلوب الجورجي الجديد” الذي كان شديد الرواج في ذلك الوقت.
ويقول سايمون ثيرلي، كبير مستشاري ترنت بارك، في حديثه لبي بي سي: “ابتكر (ساسون) عمارة أنيقة للغاية، تتسم بالهدوء وغير متكلفة، وجاءت الديكورات الداخلية على النهج نفسه إلى حد كبير، فهي خالية من التكدس، واسعة للغاية، ولا تضم سوى عدد قليل من التحف القديمة البالغة الجمال والقيمة”، كما يزيّن الجدران ورق حائط صيني فريد، إلى جانب صور لأفراد العائلة من أعمال فيليب دي لازلو وجون سينغر سارجنت.
أُعيد الآن إنشاء التصميمات الداخلية للطابق الأرضي في هذا المنزل الأنيق بعناية فائقة، ويقول جوزيبي ألبانو، مدير المتحف: “سيشعر الزائرون بأنهم عادوا إلى عالم ساسون في الطابق الأرضي، لكنهم، بطبيعة الحال، ينزلون بعد ذلك إلى الطابق السفلي”.
صدر الصورة، جيمس أو ديفيز
كان الطابق السفلي مختلفاً تماماً، فبعد وفاة السير فيليب في يونيو/حزيران عام 1939، واندلاع الحرب في سبتمبر/أيلول، استولت الحكومة البريطانية على القصر، وكان توماس كندريك، أحد كبار مسؤولي التجسس في جهاز الخدمة السرية البريطاني، قد اختاره بوصفه المكان المثالي لإنشاء “مركز الخدمات المشتركة للاستجواب التفصيلي”.
وعلى الرغم من أن كندريك كان قد أجرى بالفعل تجارب على التنصت على أسرى الحرب في برج لندن، فقد أدرك أن مراكز الخدمات المشتركة للاستجواب التفصيلي ينبغي أن تقع في أماكن أكثر تكتماً، وعلى مسافة كافية من وسط لندن لتفادي خطر تعرضها للقصف.
وأتاح قصر ترنت بارك وموقعاه الشقيقان، لاتيمر هاوس وويلتون بارك، فرصة لكندريك لتوسيع نطاق عمليته، بغية الحصول على نوع المعلومات الاستخباراتية التي كان يسعى إليها من المحادثات الخاصة للأسرى.
وتقول المؤرخة هيلين فراي، مؤلفة كتاب “جدران لها آذان”، لبي بي سي: “كان كامل المبنى الرئيسي للقصر ومبنى اسطبلات الخيول مجهزين للتنصت الصوتي”، وأُخفيت الميكروفونات في كل شيء، من أحواض النباتات وتركيبات الإضاءة إلى طاولة البلياردو، بل وحتى في الأشجار الموجودة في أرجاء المكان”.
صدر الصورة، صندوق متحف ترينت بارك
وكانت أسلاك مخفية تمتد خلف الجدران وتحت ألواح الأرضية، وتصلها بالغرف المجهزة بالميكروفونات، والمعروفة باسم غرف “إم” في القبو، والتي أعاد المتحف إنشاءها، حيث كان “المتنصّتون”، وهم في البداية من البريطانيين الذين يتحدثون الألمانية، يتنصتون ليلاً ونهاراً.
أصبح قصر ترنت بارك مركز احتجاز رئيسي للضباط الألمان البارزين، وكان كثير منهم ينتمون إلى الطبقة العليا أو إلى الطبقة الأرستقراطية، ويبدو أن شعورهم بالاستحقاق جعلهم فريسة سهلة بصورة مفاجئة لخطط كندريك.
وربما كان أقارب ساسون قد نقلوا مقتنياته الثمينة بعيداً، لتحل محلها قطع أثاث حكومية أكثر نفعاً، إلا أن القصر ظل سجناً بالغ الفخامة، صُمم لدفعهم إلى خفض حذرهم، وكان لكل جنرال خادم عسكري خاص به، كان قد أُسر معه، كما كانت توجد مكتبة، وكان ضباط بريطانيون يقدمون دروساً في اللغة الإنجليزية، بل وكانت تُنظَّم أحياناً رحلات إلى المدينة.
صدر الصورة، هوتون هول
كُلّف مسؤول لتوفير رعاية خاص بهم، هو الأرستقراطي الاسكتلندي المزيف، اللورد أبيرفيلدي، وهو الدور الذي أداه ضابط تحقيقات شاب، ويقول فراي ضاحكاً إن اللورد المزيف “سُمّي على اسم معمل لتقطير الويسكي”، وكان أبيرفيلدي يُظهر إعجاباً سريّاً مفترضاً بهتلر، وكان يزور الأسرى لاستدراجهم إلى إفشاء أسرارهم، وهو ما كان يسجله، بالطبع، متنصّتون في الطابق الأسفل.
ورغم أن جميع الضباط الألمان كانوا قد تلقوا تحذيراً من احتمال تعرضهم للتنصت إذا وقعوا في الأسر، فإن الجنرالات، على نحو يثير الدهشة، اعتقدوا أن ذلك لم يكن يحدث في قصر ترنت بارك على ما يبدو.
ويضحك ثيرلي قائلاً: “توجد محادثة مسجلة مذهلة بين اثنين من الجنرالات، يتحدثان فيها عن الأمر ويقولان: (حسناً، لقد حُذّرنا، لكن من الواضح أنهم لا يتنصتون علينا. كنا سنعرف لو كانوا يفعلون ذلك)”، ويضيف فراي: “غرورهم، وشعورهم بأهميتهم الذاتية، جعلهم لا يفكرون بمنطق”.
وعلى الرغم من استمرار تدفق المعلومات الاستخباراتية بانتظام، فقد أصبح واضحاً، مع تقدم الحرب، أن المتنصّتين البريطانيين، الذين كان فهمهم للألمانية قائماً على دراسة أكاديمية بحتة، كانوا يجدون صعوبة في التقاط المصطلحات المتخصصة والعبارات العامية، لذا تقرر تجنيد لاجئين يهود يتحدثون الألمانية من ألمانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا.
صدر الصورة، هوتون هول
كان إرنست ليدرير أحد هؤلاء المجندين، وهو جد الممثلة هيلين ليدرير، وفرّ من تشيكوسلوفاكيا على متن أحد آخر القطارات المغادرة منها عام 1939، ومثله مثل جميع المتنصّتين، كان قد وقّع على قانون الأسرار الرسمية، وظل محتفظاً بعمله خلال الحرب حتى وفاته.
وتقول حفيدته، التي تعكف حالياً على كتابة سيناريو فيلم يتناول الأحداث التي جرت هناك، لبي بي سي: “كانت زوجته تفترض أنه كان ضمن الحرس الوطني، لكنه في الواقع كان يذهب للعمل في نوبات طويلة في ترنت بارك. لم نكن نعرف ما الذي كان يفعله إلى أن صادف أن أعددتُ فيلماً وثائقياً بعنوان (بطل حرب في عائلتي) لصالح القناة الخامسة”، وهي سلسلة وثائقية ترصد مشاهير وتكشف سجلات سرية لخدمة آبائهم وأجدادهم خلال الحرب.
وتقول ليدرير: “من المفارقات الغريبة المرتبطة بهذا أن أمي الإنجليزية جُنّدت، في الحادية والعشرين من عمرها، للعمل في بليتشلي بارك. وكانت تذهب في نزهات عائلية مع إرنست ليدرير، ولم يكن أي منهما يعرف ما الذي كان الآخر يفعله”.
وبالفعل، لم يكن أي من المتنصّتين يعرف بوجود مركز فك شفرات في بليتشلي بارك، وإن كان ضباطهم يعرفون ذلك، وكانت المعلومات الاستخباراتية يجري تبادلها بين الموقعين طوال الحرب.
وعندما سُجلت محادثة في ترنت بارك عام 1941 تشير إلى نظام ملاحة يُعرف باسم “الساق المعوجة”، يتيح للقاذفات الليلية استهداف مصانع الذخائر البريطانية بدقة، أكّد محللو الشفرات في بليتشلي بارك المعلومات، وتمكنوا من تزويد الاستخبارات الجوية بالمعلومات التي احتاجت إليها للتشويش على الإشارات.
وكانت أكثر المعلومات الاستخباراتية أهمية خرجت من ترنت بارك، بلا شك، تلك المتعلقة ببرنامج ألمانيا السري للأسلحة “في”، الذي تضمن تطوير “أسلحة انتقامية” شديدة الفتك، صُممت لنشرها ضد مدن الحلفاء، مثل لندن.
كما أدت محادثة جرى التنصت عليها إلى الكشف عن صاروخ يمكن إطلاقه لمسافة 15 كيلومتراً في الجو، وأخرى عن وجود صاروخ “في2″، أول صاروخ باليستي بعيد المدى في العالم، بمدى يصل إلى 300 كيلومتر، وقصف المنشأة البحثية والاختبارية الرئيسية في ألمانيا للصواريخ والقذائف، في بينيمونده على ساحل بحر البلطيق، في أغسطس/آب 1943. وكما تشير فراي في كتابها، لا يمكن التقليل من أهمية أثر هذا الهجوم.
كما جرى تأخير إطلاق أول صاروخ من طراز “في1” على لندن حتى 13 يونيو/حزيران 1944، أي بعد أسبوع من عمليات إنزال يوم النصر، ولو كانت الصواريخ قد أُطلقت قبل ذلك، فمن المحتمل جداً أن عمليات يوم النصر ما كانت لتتم، ولم يسقط أول صاروخ “في2” على لندن إلا في 8 سبتمبر/أيلول 1944.
صدر الصورة، هوتون هول
يقول ألبانو إن فريق ترنت بارك حصل أيضاً على “معلومات بشأن حجم الفظائع التي كان هتلر يرتكبها، والتي لم تكن معروفة على نطاق واسع في ذلك الوقت”، ولا بد أن سماع ذلك كان صادماً بصورة استثنائية للمستمعين اليهود، مثل إريك مارك، الذي كان والداه قد قُتلا بالغاز في تريبلينكا عام 1943.
وكان مارك، الذي توفي عام 2020، قد تحدث قبل وفاته متذكراً سماعه الألمان يتباهون بما فعلوه: “كانوا يقولون أشياء مثل: (تخلصت من نحو 1500)”.
وعلى الرغم من ذلك، لم تُستخدم هذه المعلومات مطلقاً في محاكمات جرائم الحرب، إذ كان ذلك سيؤدي إلى الكشف عن الكيفية التي جرى الحصول عليها بها، ويوضح ألبانو: “لم تكن الحكومة البريطانية ترغب في ذلك الوقت في أن تصبح تكتيكات العملية أو تقنياتها أو الجرأة الهائلة التي اتسمت بها معروفة على نطاق واسع، ولا سيما في ظل التهديد الوشيك بالحرب الباردة مع روسيا”.
إن إفلات أولئك الذين كانوا قد اعترفوا فعلياً بارتكاب الفظائع من العدالة، حقيقة صعبة يصعب تقبلها، بيد أن الحكومة البريطانية كانت تشعر آنذاك بقلق بالغ إزاء حجم التهديد الروسي، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى المحادثات التي جرى التنصت عليها في ترنت بارك، الذي ظل موقعاً للتنصت حتى أُغلق في نوفمبر/تشرين الثاني 1945.
وتقول فراي: “أعدّنا ترنت بارك للحرب الباردة بطرق لم ينتبه إليها أحد، أو لم يفهمها أحد حقاً حتى الآن، وإرثه لا يمكن تقدير حجمه، ونحن بدأنا للتو في فهم ذلك”.
إقرأ المزيد


