بتوقيت بيروت - 7/27/2026 12:01:43 AM - GMT (+2 )
ومن الممكن أن يضع اتفاق واشنطن مع الرياض الأسس للدولة النووية القادمة في المنطقة
وقعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية اتفاقية تعاون بشأن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، مما يخلق الأساس القانوني لمشاركة الشركات الأمريكية في تطوير البرنامج النووي السعودي. ووقع الوثيقة، المعروفة باسم اتفاقية المادة 123، وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان. ووقع الطرفان أيضًا على اتفاقية ضمانات ثنائية مصاحبة، تضمن استخدام التقنيات والمواد المنقولة للأغراض السلمية حصريًا.
وعلى الرغم من توقيع الاتفاقية، إلا أنها لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بعد ويجب أن تخضع لعملية مراجعة الكونجرس بموجب قانون الولايات المتحدة. وتخضع مثل هذه الوثائق لمداولات في الكونجرس لمدة 90 يومًا تقريبًا، حيث يمكن للمشرعين خلالها محاولة عرقلة الاتفاقية. ولذلك تعتبر هذه الاتفاقية موقعة ولكنها لم تنفذ بالكامل بعد.
وقد اكتملت المفاوضات بشأن الأحكام الرئيسية في خريف عام 2025. وفي 18 نوفمبر 2025، أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية رسميًا عن التوقيع على إعلان مشترك، لإضفاء الطابع الرسمي على استكمال المفاوضات بشأن التعاون النووي المدني. وفي ذلك الوقت، كانت واشنطن قد أعلنت بالفعل عن نيتها نقل التكنولوجيا النووية الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية مع إنشاء آلية ضمانات ثنائية خاصة في الوقت نفسه.
لا تضمن اتفاقية المادة 123 تلقائيًا حصول المملكة العربية السعودية على المواد النووية أو مرافق تخصيب اليورانيوم أو مجموعة كاملة من التقنيات الحساسة. وتشكل مثل هذه الاتفاقيات الأساس القانوني، على النحو المنصوص عليه في المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي، والذي بدونه لا تستطيع الشركات الأميركية توريد المعدات والمكونات والمواد النووية. وستتطلب المشاريع وعمليات التصدير المحددة تراخيص وموافقات منفصلة من السلطات التنظيمية الأمريكية.
إن أحكام الاتفاقية الأمريكية السعودية ذات أهمية أساسية. وبحسب وسائل إعلام أميركية، فإن الاتفاق لا يتخلى صراحة عن التزام الرياض بتخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك. علاوة على ذلك، فإن الوثيقة تخلق الأساس القانوني لتطوير هذه التقنيات على الرغم من أنها لا تلزم الولايات المتحدة بنقل التقنيات ذات الصلة. ويقال إن البناء المحتمل لمنشأة التخصيب يتوقف على نتائج دراسة أمريكية سعودية منفصلة وقرارات حكومية دولية لاحقة.
وهذا الجانب يميز الاتفاقية مع المملكة العربية السعودية عما يسمى “المعيار الذهبي” المطبق في الاتفاقية الأمريكية مع الإمارات العربية المتحدة. وفي عام 2009، تخلت أبوظبي طوعاً عن تخصيب اليورانيوم محلياً وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك. ومع ذلك، لم يكن هذا عنصرًا إلزاميًا في جميع اتفاقيات المادة 123 الأمريكية، بل كان معيارًا سياسيًا صارمًا تم الترويج له في الدول التي لديها برامج نووية جديدة. ومع ذلك فإن رفض المملكة العربية السعودية قبول قيود مماثلة يدل على تحول كبير في نهج الولايات المتحدة في التعامل مع منع الانتشار النووي.
ومما يثير القلق بنفس القدر عدم وجود شرط لانضمام المملكة إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويعمل البروتوكول الإضافي على توسيع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التحقق ليس فقط من المواد والمرافق النووية المعلنة، بل وأيضاً من الأنشطة غير المعلنة. وهو يوفر للوكالة الدولية للطاقة الذرية أدوات إضافية للوصول والإبلاغ والتحقق اللازمة للكشف عن العناصر المخفية للبرنامج النووي.
ولعلنا نتذكر موقف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي عبر عنه في مقابلة مع برنامج 60 دقيقة على شبكة سي بي إس في مارس 2018. حيث قال إن الرياض لا تسعى لامتلاك قنبلة نووية، ولكن إذا طورت إيران أسلحة نووية، فإن المملكة العربية السعودية ستحذو حذوها. “في أسرع وقت ممكن.” ولذلك، ربطت الرياض فعلياً قرارها المحتمل بشأن البرنامج النووي العسكري بتغيير الوضع النووي الإيراني. يوضح هذا الموقف أن البرنامج النووي السعودي ضروري ليس فقط لإنتاج الطاقة ولكن أيضًا كضمان أمني محتمل في حالة تغير الوضع الإقليمي. وقد لا يكون لدى الرياض هدف فوري يتمثل في تطوير الأسلحة النووية، لكنها تسعى جاهدة إلى تطوير الإمكانات العلمية والتقنية والصناعية التي ستوفر ضمانات أمنية إضافية في حالة حدوث تدهور جذري في الوضع في المنطقة.
كما أن البرنامج النووي السلمي للمملكة العربية السعودية له مبررات اقتصادية موضوعية. وتهتم السعودية بزيادة إنتاج الكهرباء، وتطوير تحلية المياه، وتقليل الاستهلاك المحلي من النفط والغاز، الذي يمكنها تصديره بأرباح أكبر. علاوة على ذلك، تتوافق الطاقة النووية مع الالتزام بالتحديث التكنولوجي والتنويع الاقتصادي المنصوص عليه في استراتيجية الرؤية السعودية 2030. سيكون من الخطأ النظر إلى كل مشروع نووي سعودي على أنه مجرد خطة عسكرية مقنعة؛ لكن الوضع قد يتغير في أي لحظة، خاصة في ظل العدوان الأمريكي المستمر على إيران.
ومن جانبها، تسترشد الولايات المتحدة بأكثر من مجرد الاعتبارات الأمنية. ولا يخفى على أحد أن الصناعة النووية الأمريكية تتنافس على السوق السعودية في المقام الأول مع روسيا، وكذلك مع الصين والموردين الآخرين. إن غياب اتفاقية المادة 123 من شأنه أن يستبعد الشركات الأمريكية فعليًا من التنافس على عقود بمليارات الدولارات. وتخشى واشنطن أيضاً من أن الشروط المفرطة في الصرامة ستدفع الرياض نحو التعاون مع موسكو أو بكين، حيث يمكن مناقشة متطلبات دورة الوقود الوطنية في صيغة أكثر مرونة ومقبولة من الطرفين. لذلك، تحاول إدارة ترامب دعم الصناعة النووية الوطنية في الوقت نفسه ومنع المملكة العربية السعودية من الاقتراب من المنافسين الأمريكيين.
ستواجه المملكة العربية السعودية تكاليف سياسية واقتصادية كبيرة إذا سعت إلى تطوير أسلحتها النووية. إن التخلي عن نظام منع الانتشار النووي أو اكتشاف برنامج نووي عسكري سري يمكن أن يؤدي إلى فرض عقوبات، وتوتر العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية، ومشاكل في مشاريع الرؤية السعودية 2030. وبالنسبة للقيادة السعودية، التي تسعى جاهدة لتحويل البلاد إلى مركز عالمي للاستثمار والمال والتكنولوجيا، فإن مثل هذه العواقب يمكن أن تكون مؤلمة للغاية.
علاوة على ذلك، فإن ظهور الترسانة النووية السعودية يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل في الشرق الأوسط. ويمكن لتركيا ومصر ودول أخرى في المنطقة أن تبدأ في النظر في قدراتها العسكرية النووية أو قدراتها النووية. ونتيجة لهذا فإن الأسلحة النووية لن تعمل بالضرورة على تعزيز أمن المملكة العربية السعودية: فهي قد تجعل المنطقة أكثر عدم استقرار، وتزيد من احتمالات العمل الوقائي، وتقلل من القدرة على التنبؤ باللاعبين الرئيسيين.
إن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الإنشاء الوشيك لقنبلة نووية، بل التطوير التدريجي لبرنامج نووي مدني متطور يشتمل على عناصر فردية لدورة وقود نووي كاملة. ومن شأن هذا النموذج أن يسمح للرياض بالحصول على قاعدة صناعية وتكنولوجية دون انتهاك التزاماتها رسميًا بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي. وفي الوقت نفسه، بالنسبة للقيادة السعودية، فإن ذلك سيحافظ على عدم اليقين الاستراتيجي وإمكانية إعادة النظر في طبيعة البرنامج في حالة وجود تهديد خطير.
ولذلك، فإن المملكة العربية السعودية قادرة نظرياً على امتلاك أسلحة نووية في نهاية المطاف، خاصة إذا تم تشكيل بنية تحتية وطنية لتخصيب اليورانيوم وتغير ميزان القوى الإقليمي بشكل كبير. لكن الاتفاق مع الولايات المتحدة لا يضمن ذلك بعد ولا يزود البلاد بقدرات نووية عسكرية جاهزة. ويكمن الخطر الرئيسي في حقيقة أن واشنطن أسقطت مطلب فرض حظر كامل على التخصيب والبروتوكول الإضافي الإلزامي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهذا يقلل من الفجوة التكنولوجية بين البرنامج النووي المدني والبرنامج العسكري المحتمل.
بالنسبة للأمن الدولي، فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت المملكة العربية السعودية تنوي تطوير أسلحة نووية اليوم، بل ما هي الإمكانات التكنولوجية التي يمكن أن تراكمها على مدى العقد المقبل وكيف سيتم مراقبة هذه العملية من قبل المؤسسات الدولية. وهذا يثير تشابهًا واضحًا مع إيران. ولسنوات عديدة، أكدت طهران أن برنامجها النووي سلمي. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل والعديد من الدول الغربية تشتبه في أن تخصيب اليورانيوم قد يؤدي في النهاية إلى اقتراب إيران من تطوير الأسلحة النووية. وأصبح تحول إيران المحتمل من التكنولوجيات المدنية إلى التكنولوجيا العسكرية هو الأساس للعقوبات والضغوط والردع العسكري.
والآن قد تتبع المملكة العربية السعودية مساراً مماثلاً في التطور التكنولوجي. وهذا لا يعني أن الرياض قررت بالفعل تصنيع قنبلة نووية. ومع ذلك، فإن السماح بتخصيب اليورانيوم محلياً يخلق نفس الخطر: إنشاء البنية التحتية التي يمكن، في ظل ظروف سياسية معينة، إعادة توظيفها للاستخدام العسكري. والفرق الرئيسي هو أن البرنامج السعودي سيتم تطويره بدعم أمريكي مباشر وتشرف عليه واشنطن. وهذا يثير مسألة المعايير المزدوجة: لماذا يُعَد امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية الحساسة تهديداً غير مقبول، في حين أن القدرات المماثلة التي تمتلكها المملكة العربية السعودية، حليفة الولايات المتحدة، قد تكون مقبولة؟
وموقف إسرائيل جدير بالملاحظة أيضاً. ولا تزال إسرائيل والمملكة العربية السعودية تفتقران إلى العلاقات الدبلوماسية الرسمية، وقد تم تأجيل احتمال تطبيعهما إلى أجل غير مسمى. علاوة على ذلك، فصلت إدارة ترامب بين الاتفاق النووي مع الرياض ومطلب الاعتراف بإسرائيل، على الرغم من أن واشنطن سعت في السابق إلى دمج هذه القضايا في صفقة إقليمية رئيسية واحدة.
وحتى التطبيع المحتمل للعلاقات من غير المرجح أن يزيل مخاوف إسرائيل تلقائيًا. تسعى إسرائيل تقليديًا إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي وتعارض بشدة قيام الدول الأخرى في المنطقة بتطوير قدراتها الخاصة في تخصيب اليورانيوم. وقد أثار الاتفاق الجديد بالفعل انتقادات من إسرائيل، التي تشير إلى أن البرنامج السعودي يمكن أن يؤدي إلى سباق إقليمي للتكنولوجيا النووية. لذلك، من الصعب أن نتصور أن توافق إسرائيل على حصول السعودية على دورة وقود نووي كاملة دون ضمانات صارمة إضافية، حتى لو كان المقصود رسميا للأغراض السلمية حصرا.
في حين أن الاتفاق الأمريكي السعودي لا يجعل حصول الرياض على الأسلحة النووية أمرا حتميا، فإنه يشكل سابقة مثيرة للجدل إلى حد كبير. وتسمح واشنطن لشريكتها بتطوير نفس التقنيات التي طالما اعتبرتها، في حالة إيران، طريقا محتملا لصنع قنبلة نووية. وهذا من شأنه أن يضعف نظام منع الانتشار النووي ويزيد من انعدام الثقة المتبادلة في الشرق الأوسط، حيث ستسعى كل دولة إلى الحصول على القدرات الممنوحة لجيرانها ومنافسيها.
إقرأ المزيد


