بتوقيت بيروت - 7/26/2026 9:17:56 PM - GMT (+2 )
صدر الصورة، بول واتسون
مثل أي مكان آخر في العالم، اجتاحت حمى كرة القدم أصغر دولة جزرية في العالم مؤخراً، لكن بمجرد أن رفعت إسبانيا كأس العالم اختفى تقريباً كل أثر لكرة القدم في ناورو.
وتكاد كرة القدم أن تكون معدومة في هذه الجزيرة الواقعة في المحيط الهادئ، فلم يسبق لناورو أن شاركت بفريق في مباراة دولية رسمية، ولا تملك سوى ملعب واحد فقط، وهو ملعب مصنوع من الرمال الصلبة.
ورغم وجود اهتمام بالمباريات الكبرى في الدوري الإنجليزي الممتاز، وارتداء الأطفال قمصان ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، فإن أي محاولات فعلية للعب كرة القدم غالباً ما تقابل بالسخرية، إلا إذا كانت لعبة القواعد الأسترالية (Aussie rules).
لكن الأمور قد تكون في طريقها إلى التغيير ببطء، إذ تسعى مجموعة من المتطوعين، يقودهم تشارلي بومروي وهو لاعب سابق في أكاديمية بريطانية، إلى إدخال اللعبة إلى هذه الدولة التي كانت ذات يوم أغنى دولة في العالم من حيث نصيب الفرد من الدخل، لكنها تعتمد الآن بشكل كبير على المساعدات الخارجية، ولديها واحد من أعلى معدلات السمنة في العالم.
وقد يكون منشور على وسائل التواصل الاجتماعي من اتحاد ناورو لكرة القدم يهنئ فيه أبطال العالم الجدد، ويطرح حلماً مفاده: “نأمل يوماً ما أن نكون في موقع إسبانيا”، مجرد أمنية بعيدة المنال، لكن العمل التأسيسي حقيقي في بلد يقول إنه آخر دولة في العالم لم يسبق لها امتلاك منتخب وطني أول للرجال.
ومع ذلك، فإن وضع الأسس للعبة في جزيرة ترك فيها التعدين المفرط المشهد يبدو أشبه بسطح القمر، ليس سهلاً على الإطلاق.
صدر الصورة، اتحاد ناورو لكرة القدم
لقد حاولت ناورو تطوير كرة القدم في السابق، لكن اللعبة لم تشهد رواجاً حقيقياً قط، إذ اقتصرت أقرب محاولاتها لخوض مباراة دولية على مواجهات جمعت فرقاً تمثل البلاد بفريق للمغتربين من جزر سليمان عام 1994، وفريق للاجئين عام 2014.
ويساعد تاريخها المعقد إلى حد ما في تفسير سبب معاناة الرياضة الأكثر شعبية في العالم من أجل جذب المشاركين في هذه الدولة.
تقع ناورو في المحيط الهادئ، على بُعد 2500 ميل شمال شرقي أستراليا، وقد بنت ثروتها التاريخية على احتياطيات هائلة من الفوسفات، تكوّنت عبر آلاف السنين من فضلات الطيور المتحجرة.
وقد تعرضت ناورو، التي كانت إقليماً تابعاً لأستراليا حتى استقلالها عام 1968، لعمليات تعدين مكثفة في أواخر القرن العشرين، ونفدت المعادن، تاركةً البلاد التي كانت تُعرف سابقاً باسم الجزيرة السعيدة تبدو منهكة، مع أجزاء واسعة من مناطقها الوسطى غير صالحة للسكن أو للزراعة.
وأدى ذلك إلى تجمع معظم سكانها البالغ عددهم نحو 12 ألف نسمة حول المناطق الساحلية، حيث أصبحت المساحات الصالحة للاستخدام محدودة للغاية في جزيرة لا تتجاوز مساحتها 21 كيلومتراً مربعاً، وحتى هذه المساحة تتقلص، إذ يهدد تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر وجودها ذاته.
وقد أدى جفاف أراضيها إلى اعتماد البلاد على استيراد أكثر من 90 في المئة من غذائها، والكثير منه أطعمة مصنّعة، مما ساهم في تصنيف 69 في المئة من السكان على أنهم يعانون من السمنة، وإصابة نحو 40 في المئة بمرض السكري من النوع الثاني.
صدر الصورة، صور جيتي
ويُعد أحد مصادر الدخل الرئيسية للبلاد حالياً مركز احتجاز المهاجرين الأسترالي الذي تستضيفه منذ جزء كبير من هذا القرن.
وقد تكون الحياة اليومية في الجزيرة صعبة، وكانت الرياضة متنفساً مهماً للكثيرين، لكن الرياضة المفضلة هي لعبة القواعد الأسترالية (Aussie rules)، التي يمارسها 30 في المئة من السكان المحليين، كما تحظى ألعاب القوى ورفع الأثقال بشعبية، وقد شاركت ناورو فيهما في الألعاب الأولمبية.
وستستضيف ناورو ألعاب ميكرونيزيا عام 2028، وهي فعالية رياضية متعددة الألعاب تشمل كرة القدم، وستُظهر رغبة الجزيرة في تعزيز سمعتها الدولية من خلال الرياضة.
ويقول بومروي، المدير الفني لاتحاد كرة القدم في ناورو، وأحد ثمانية متطوعين يهدفون إلى تطوير كرة القدم في الجزيرة: “إنهم يحاولون تغيير الصورة إلى الأفضل، والمشاركة في المزيد من الرياضات”.
ويضيف: “سكان ناورو يريدون أن يرى الناس البلاد بصورة أكثر إيجابية بدلاً من أن تكون مجرد موضع للسخرية، لذلك سواء كانت كرة القدم، أو القواعد الأسترالية، أو الرجبي، أو كرة السلة، أو الكريكيت، أو رفع الأثقال، فإن مجرد المشاركة في بناء ناورو أكثر صحة هو أمر كافٍ”.
وتابع: “لكن باعتباري محباً لكرة القدم، فإن أفضل طريقة أعرفها لإحداث تأثير هي من خلال كرة القدم”.
وهذا البريطاني، الذي ينحدر أصلاً من ستيفيناج، وعمل في نادي مدينته عندما كان لا يزال يلعب في الدرجات غير الاحترافية، لديه سجل سابق يثبت قدرته على تحقيق ذلك.
فقد أسس سابقاً مؤسسة خيرية في مدينة سييم ريب الكمبودية، تحولت لاحقاً إلى أكاديمية احترافية أنتجت حتى الآن 47 لاعباً تقدموا للعب بشكل احترافي في ذلك البلد الآسيوي، كما يدير برامج ناجحة في الهند تهدف إلى إيصال كرة القدم إلى المجتمعات المحرومة.
وتواجه جميع مشاريعه تحديات مختلفة، ومن أولى التحديات في ناورو هو إيصال بعض كرات القدم إلى الجزيرة.
صدر الصورة، صور جيتي
وأطلق المتطوعون حملة لمنح كل طفل يتراوح عمره بين 4 و14 عاماً كرة قدم، أي نحو 2000 طفل تقريباً، ويعملون مع الكنائس والمدارس الـ11 في الجزيرة لتوزيعها، وسيتم نقل الكرات جوا على دفعات، كل دفعة تضم 200 كرة، للمساعدة في تنظيم عملية التوزيع وتجنب الهدر المحتمل.
وركزت المحاولات السابقة لإدخال كرة القدم إلى ناورو على مباريات لمرة واحدة، بما في ذلك محاولة جرت قبل عامين عندما عُيّن مهاجم الدوري الإنجليزي الممتاز السابق ديف كيتسون لقيادة مجموعة من 18 شخصاً من ناورو في مباراة بعد معسكر تدريبي استمر أسبوعين.
وكان من المقرر أن يواجهوا فريقاً من دوري الهواة (دوري الأحد) في ريدينغ يُدعى إكس إل إف سي، يستخدم كرة القدم كوسيلة لتحقيق أسلوب حياة أكثر صحة، لكن تلك المباراة لم تُلعب لأسباب مالية، ولذلك يستمر الانتظار لخوض أول مباراة رسمية على الإطلاق.
لكن النهج تغيّر منذ ذلك الحين، وأصبح اتحاد ناورو لكرة القدم ينظر إلى الأمر على المدى الطويل.
ويقول بومروي، الذي عمل في مجال كرة القدم في كل قارة باستثناء أمريكا الجنوبية والقارة القطبية الجنوبية: “كان ديف كيتسون سيذهب، وكنت سأذهب أنا أيضاً، وكان الأمر سيكون رائعاً لبضعة أشهر، لكن ذلك يتطلب الكثير من المال”.
ويضيف: “دعونا نرسخ ثقافة كرة القدم أو الرياضة في هذه الجزيرة ونساعدها على النمو، لأنها أمر مهم، دعونا نبني منظومة متكاملة، لا مجرد مباريات عابرة”.
وتابع: “حلمي الشخصي هو أن تُلعب أول مباراة دولية في تاريخ ناورو بفريق مكوّن بالكامل من الشباب الذين يبلغون 18 عاماً، والذين مرّوا عبر نظامنا التدريبي، ولنفترض أننا وجدنا الآن مجموعة من الفتية بعمر 14 عاماً، وقلنا: حسناً، لنعمل مع هذه المجموعة خلال السنوات الثلاث أو الأربع القادمة، وعندما يصبح عمرهم 17 أو 18 عاماً، ستكون تلك أول مباراة لمنتخب ناورو الوطني في التاريخ”.
وعندما يصل بومروي إلى الجزيرة لإقامة معسكر تدريبي في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، سيؤسس برامج تدريب للّاعبين والمدربين الطامحين، حتى تستمر الرياضة طوال العام.
ويعتمد جزء كبير من هذا المشروع على القدرة على إيجاد أماكن للعب.
فمعظم الأراضي مملوكة ملكية خاصة أو غير صالحة للسكن، لكن المتطوع تايرون ديييه يأمل في استخدام بعض أراضي عائلته لإنشاء ملاعب أكثر من الملعب الوحيد الموجود حالياً، وهو عبارة عن أرضية ترابية مغطاة بغبار الفوسفات فوق تربة مفتتة.
كما يقول ديييه إن اللعب في ملاعب مُغلقة قد يكون خياراً متاحاً أيضاً.
صدر الصورة، بول واتسون
ويحرص بومروي على التأكيد بأن اتحاد ناورو لكرة القدم لا يحاول “فرض كرة القدم على الجميع”، لكنه يقول إن الأمر يتعلق بوضع أساس لرياضة ما، وتعزيز أنماط الحياة الصحية، وبناء المجتمعات.
ويقول بومروي، الذي يدير هذا المشروع بالتزامن مع عمله مدرباً في الهند: “إن الدروس الحياتية التي تتعلمها من خلال كرة القدم لا تقتصر على أرض الملعب، وليست فقط مرتبطة بالفوز والخسارة، إنها تتعلق بالأصدقاء الذين تكوّنهم، وتعلمك التواضع، والاهتمام بجسدك، والنهوض عندما تسقط”.
ويضيف:”وهذه هي الطريقة التي رأيت بها كرة القدم تغيّر الناس في أنحاء العالم، وهذا هو الحلم بالنسبة إلى ناورو، فإذا جلسنا هنا بعد خمس سنوات من الآن، فأنا أؤمن حقاً بأننا سنمتلك فريقاً أول للكبار سيكون مليئاً بلاعبين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 و20 عاماً، ثم بعد 20 عاماً، يأتي إليّ شخص من ناورو ويقول: لقد تغيّرت حياتي من خلال كرة القدم وبرنامج التطوير، سيكون ذلك هو الحلم الأكبر على الإطلاق”.
صدر الصورة، صور جيتي
وتمارس دول أخرى في جزر المحيط الهادئ كرة القدم، وأحياناً يلعب المغتربون من هذه الدول في ناورو، إلا أن ديييه يقول إن سكان ناورو “يشاهدون المغتربين وهم يلعبون، لكنهم نوعاً ما يضحكون عليهم لأنهم لا يفهمون اللعبة، ويعتقدون أنها مضحكة”.
ويضيف ديييه، الذي يوازن بين عمله كخبير تخطيط حضري في ناورو وعمله في مجال كرة القدم: “تمتلك العديد من جزر المحيط الهادئ الأخرى فرقاً قوية جداً لكرة القدم، وهذا يمنحهم سعادة غامرة، فتلك الدول شغوفة للغاية بكرة القدم، وأريد أن تكون ناورو كذلك أيضاً”.
وفي العام الماضي، لعبت جزر مارشال ضد جزر العذراء الأمريكية في أول مباراة دولية لها، وكانت هذه الدولة الواقعة في المحيط الهادئ قد أعلنت سابقاً أنها آخر دولة في العالم لا تملك منتخب كرة قدم، لكن ناورو أيضاً كانت تطالب بهذا اللقب.
كما حدث ارتباك خلال فترة جائحة كوفيد عندما أُعلن عن وجود دوري محلي مزيف في ناورو، وكانت الخدعة مفصلة للغاية، حتى إنها تضمنت أسماء الفرق واللاعبين المسجلين.
لكن اتحاد ناورو لكرة القدم أصبح لديه الآن موقع إلكتروني حقيقي، يوضح فيه خططه، كما يبيع قمصان المنتخب الوطني لجمع الأموال من أجل تطوير اللعبة، ويأتي مصدر التمويل الرئيسي للمشروع من حملات جمع التبرعات، لكن تنظيمها قد يكون صعباً لأن المتطوعين يوازنون أيضاً بين أعمالهم بدوام كامل واختلاف المناطق الزمنية.
وحتى التواصل بين أعضاء فريق المشروع قد يكون أمراً معقداً، ففي بعض الأحيان لا يمكن الوصول إلى ديييه لبضعة أيام، ثم يعود ليقول إن عاصفة تسببت في انقطاع الإنترنت عن الجزيرة.
ويقول بومروي: “هذا المشروع لا يخلو من التحديات بالتأكيد، وأعتقد، حسب ما أفهم، أن سكان ناورو وُعِدوا بالكثير طوال تاريخهم، لكنهم خُذلوا مرات عديدة، ولذلك فإن موقفهم تجاه الأمور يميل إلى أن يكون: سنصدق عندما نرى، وهم مترددون جداً في رفع سقف آمالهم، لكن بشكل عام، فإن ردود الفعل التي نحصل عليها هي أن الجميع متحمسون للغاية لهذا الأمر”.
إقرأ المزيد


