بتوقيت بيروت - 7/24/2026 9:49:08 PM - GMT (+2 )
صدر الصورة، وكالة حماية البيئة
مثَّل الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع السعودية تحولاً في النهج الأمريكي الذي امتد لسنوات إزاء أحد أبرز حلفائها في الشرق الأوسط.
ودأب الرؤساء الأمريكيون السابقون على اشتراط تطبيع السعودية علاقاتها مع إسرائيل مقابل حصولها على تكنولوجيا نووية أمريكية لازمة لبرامج الطاقة النووية السلمية.
ووفقاً لتقارير تناولت محتوى الاتفاق، منح ترامب السعودية ما كانت تسعى إليه من دون أن يحصل في المقابل على أي تنازلات لصالح إسرائيل، رغم اعتراض منتقدين حذروا من أن الاتفاق قد يُشعل سباقاً للتسلح النووي في المنطقة.
وقال ترامب يوم الخميس، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الاتفاق النووي مشروطاً بانضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، وهي مجموعة اتفاقيات أُبرمت خلال فترة ولايته الأولى وأفضت إلى تطبيع علاقات بين إسرائيل وعدد من دول الخليج الأخرى.
بيد أنه لم يكن واضحاً ما إذا كان هذا الشرط منصوصاً عليه في نص الاتفاق، الذي لم يُنشر حتى الآن، أو إذا كانت السعودية قد وافقت عليه، أو إذا كانت ستكون مُلزمة بالانضمام إلى تلك الاتفاقيات.
ويبدو أن هذا الاتفاق يمثّل أحدث تجليات تخلي ترامب عن المقاربة الأمريكية التقليدية تجاه الشرق الأوسط، التي كانت ترتكز على إسرائيل وعلى السعي إلى التوصل إلى حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
جدير بالذكر أن ترامب، خلال ولايته الثانية، ركز بصورة رئيسية على تعزيز النفوذ الاقتصادي للولايات المتحدة لمنافسة الصين وغيرها من القوى المنافسة، ويرى محللون أن الاتفاق النووي مع السعودية يحمل رسالة مفادها أن الولايات المتحدة تسعى إلى الإبقاء على حلفائها الإقليميين ضمن دائرة نفوذها، حتى وإن ترتب على ذلك إثارة استياء إسرائيل.
ويقول يوسف قان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط لدى مؤسسة” أمينا ستراتيجيز” للاستشارات: “دول الشرق الأوسط تسعى إلى تطوير بنيتها التحتية النووية، وهي ماضية في ذلك حتى إذا لم تكن الولايات المتحدة طرفاً في هذه الجهود، وواشنطن تُقر بذلك في هذه المرحلة”.
ويضيف: “من خلال هذا الاتفاق النووي، تقول الولايات المتحدة في الأساس: لستم مضطرين إلى التعاون مع الصين، بل يمكنكم التعاون معنا”.
صدر الصورة، صور جيتي
وشكّلت السياسة الخارجية القائمة على المعاملات والصفقات السمة الأبرز للولاية الثانية لترامب، فمنذ عودته إلى السلطة متعهداً بإحياء نهج “أمريكا أولاً” في إدارة الشؤون الدولية، كثّفت الولايات المتحدة منافستها الاقتصادية مع خصومها، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، في منطقة القطب الشمالي ومناطق أخرى من العالم.
بيد أن إبرام اتفاق نووي في الشرق الأوسط يعد خطوة جريئة بصورة خاصة، ومن المرجح أن يُفاقم التوترات في منطقة شديدة الاضطراب تخوض فيها الولايات المتحدة حرباً مع إيران.
كما يمثّل هذا الاتفاق مكسباً كبيراً لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الذي سعى على مدى سنوات إلى التوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة في إطار مساع أوسع نطاقاً لتعزيز علاقات بلاده مع دول الغرب.
وكان ولي العهد قد صرّح في عام 2018 بأنه إذا طوّرت إيران أسلحة نووية، فينبغي أن يُسمح للسعودية بتطويرها أيضاً.
ولم تعلن الإدارة الأمريكية تفاصيل الاتفاق حتى الآن، بيد أن تقارير أشارت إلى أنه لا يتضمن آليات صارمة للتنفيذ تحول دون تطوير السعودية برنامجاً نووياً عسكرياً في المستقبل.
وفي هذا السياق، يختلف الاتفاق عن اتفاقية التعاون النووي التي أبرمتها الولايات المتحدة مع دولة الإمارات عام 2009، والتي تضمنت عمليات تفتيش صارمة تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويتمثل اختلاف جوهري آخر، بحسب معارضي الاتفاق مع السعودية، في أنه يسمح لها، وفقاً للتقارير، بتخصيب اليورانيوم على أراضيها بنفسها.
ويرى محللون أنه حتى إذا لم تُبادر السعودية إلى تطوير أسلحة نووية في المستقبل القريب، فإن مجرد امتلاكها القدرة المحتملة على عمل ذلك قد يمنحها قوة ردع مؤثرة في المنطقة.
ويقول عمران بيومي، الباحث في مركز أبحاث المجلس الأطلسي والمستشار السابق للسياسات في وزارة الدفاع الأمريكية: “هذا الاتفاق يمهد بلا شك السبيل أمام تطوير أسلحة نووية في المستقبل”.
وأوضح خبراء في قطاع الطاقة أن الاتفاق سيتيح للسعودية تنويع مصادر الطاقة لديها، والاستفادة من الطاقة النووية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء.
ويقول كريستوفر روسو، خبير الطاقة في مؤسسة “تشارلز ريفر أسوشيتس” للاستشارات، إن امتلاك الطاقة النووية قد يُخفف مستقبلاً من اعتماد السعودية على النفط، ويجنبها اضطراب أسواق النفط العالمية.
ويضيف روسو: “يمكن أن يتعرض النفط لاضطراب، ويمكن قصف حقول النفط، كما قد تُحتجز ناقلات النفط في مكان ما، كما نشهد حالياً في مضيق هرمز، أما الطاقة النووية فهي منظومة مستقلة إلى حد كبير”.
صدر الصورة، صور جيتي
لكن السعودية لن تجني العوائد الاقتصادية لهذا الاتفاق في المستقبل القريب، إذ من المرجح أن يستغرق بناء محطات جديدة للطاقة النووية وبدء تشغيلها نحو عشر سنوات على الأقل، وربما فترة أطول.
كما أن المكسب السياسي قصير المدى يبدو واضحاً، إذ تُرسخ السعودية، التي تعد بالفعل إحدى أقوى دول الخليج، مكانتها بوصفها قوة إقليمية رئيسية، وفضلاً عن ذلك، نجحت السعودية في إبرام الاتفاق بدون أن تضطر إلى الاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن مطلبها القاضي بربط أي اتفاق مستقبلي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية.
ويبدو أن هذا التنازل يعكس تقديراً لدى إدارة ترامب بأن تحقيق اختراق دبلوماسي بين السعودية وإسرائيل ليس مرجحاً في المستقبل القريب، فقد أبدى الطرفان استعداداً لإجراء محادثات خلال إدارة بايدن، غير أن المفاوضات تعثرت عقب اندلاع الصراع بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، والحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ولم تقدم الإدارة تفسيراً واضحاً لتوقيت إعلانها عن الاتفاق. لكن الحرب مع إيران ربما كانت أحد العوامل المؤثرة، إذ سعت واشنطن إلى تخفيف حدة التوتر مع السعودية وغيرها من حلفائها في الخليج، الذين استهدفتهم طهران منذ اندلاع الصراع، وكانت السعودية قد منعت الولايات المتحدة، لفترة وجيزة، من استخدام مجالها الجوي في المراحل الأولى من الحرب، كما دعت واشنطن وطهران إلى خفض التصعيد.
ومن المتوقع أن تستفيد الشركات الأمريكية كذلك من الاتفاق النووي، وإن كانت هذه المكاسب لن تتحقق على الفور، إذ ستتعاون السعودية مع شركات أمريكية في تطوير تقنياتها النووية المدنية، بما يفتح سوقاً واعدة ومربحة أمام شركات مثل “ويستينغهاوس”، المتخصصة في بناء المفاعلات النووية التقليدية كبيرة الحجم.
صدر الصورة، صور أليكس وونغ / جيتي
وعلى الرغم من ذلك، واجه الاتفاق بالفعل موجة من الانتقادات في إسرائيل والولايات المتحدة.
فمع تداول أنباء الاتفاق يوم الأربعاء، رأى عدد من السياسيين الإسرائيليين أن السعودية قد تتحول إلى تهديد نووي جديد في المنطقة، وثمة اعتقاد على نطاق واسع بأن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، رغم أنها لم تعترف بذلك رسمياً، كما شاركت في الحرب الأمريكية ضد إيران انطلاقاً من مخاوف مشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وقال أفيغدور ليبرمان، عضو الكنيست الإسرائيلي ووزير الدفاع السابق، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “وجود برنامج نووي مدني في السعودية سيقود إلى سباق محموم للتسلح في مختلف أنحاء الشرق الأوسط”.
كما أبدى مشرعون ديمقراطيون في الكونغرس الأمريكي مخاوف مماثلة، إذ قال عضو مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الديمقراطي، رو خانا، ممثل ولاية كاليفورنيا، في حديثه لبي بي سي: “هذا الاتفاق يعد تنازلاً كبيراً لصالح السعودية، ولن يؤدي إلا إلى تعزيز طموحات إيران، كما أنه لن يفضي إلا لمزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل. ببساطة إنها سياسة ليست حكيمة”.
وقال وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، إن الاتفاق سيسهم في تعزيز الاقتصاد الأمريكي وتقوية الأمن القومي، مضيفاً، في بيان نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن الاتفاق الأمريكي السعودي “سيلتزم بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار النووي”.
بيد أن الإدارة عززت حالة الشكوك المحيطة بالاتفاق بعدما امتنعت عن نشر مزيد من التفاصيل بشأنه فور الإعلان عنه يوم الأربعاء، وربما من الدلالات اللافتة أيضاً أن ترامب لم يترأس مراسم التوقيع الرسمية للاتفاق.
فقد شارك ترامب في مراسم نقل جثامين أربعة من أفراد القوات الأمريكية الذين لقوا حتفهم في إيران، قبل أن يعقد تجمعاً جماهيرياً في ولاية جورجيا، أكد خلاله أن سياساته تجعل الشرق الأوسط أكثر استقراراً من أي وقت مضى.
إقرأ المزيد


