بتوقيت بيروت - 7/21/2026 3:20:54 PM - GMT (+2 )
صدر الصورة، صور جيتي
توفيت إيفا بيرون، السيدة الأولى الأشهر في تاريخ الأرجنتين، في يوليو/تموز عام 1952. وبعد مرور ستين عاماً، استعرضت بي بي سي قصة الاختفاء الغريب لجثمانها، ورحلته طوال 16 عاماً في عدد من دول العالم.
بعد ساعات قليلة من وفاة إيفا، في السادس والعشرين من يوليو/تموز 1952، كُلّف عالم التشريح الإسباني المرموق، بيدرو آرا، بتحنيط جثمان سيدة الأرجنتين الأولى بالطريقة ذاتها التي اعتمدها الروس في حفظ جثمانيّ لينين وستالين.
وحُفظ جثمان إيفا (إيفيتا)، وهو الاسم الذي كانت تعرف به على سبيل المودة، في مبنى وزارة العمل، إذ كان من المقرر تشييد نصب تذكاري عمّالي لها، يتصدر قاعدته تابوت من الزجاج ليكون مثواها الأخير.
بيد أنه بعد ثلاث سنوات، في سبتمبر/أيلول 1955، أُطيح بزوجها، الرئيس خوان بيرون، في انقلاب عسكري، واضطر إلى مغادرة البلاد إلى المنفى، وقرر النظام الحاكم الجديد الاستيلاء على جثمان إيفا، لتبدأ بذلك رحلة مثيرة استمرت ستة عشر عاماً، بدأت باحتجاز جثمانها في مقر الاستخبارات العسكرية، ثم حُفظ داخل شاحنة، ودُفن في ميلانو، ونُقل إلى مدريد، قبل إعادته في نهاية المطاف إلى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، حيث دُفن مرة أخرى في مقبرة شديدة التحصين.
توفيت إيفا بسرطان عنق الرحم عن عمر ناهز ثلاثة وثلاثين عاماً، وكانت لدى زوجها دوافع سياسية لتحنيط جثمانها، نظراً لأن نشأتها الريفية الفقيرة وأعمالها الخيرية، بصفتها السيدة الأولى، أكسبتها تأييداً شعبياً لدى الطبقة العاملة.
وقالت فلافيا فيوروتشي، المؤرخة المتخصصة في فترة الحكم البيرونية، لبي بي سي عام 2012: “لذلك أراد (بيرون) الحفاظ على هذا الإرث، من خلال حفظ الجثمان، كما ارتبط الأمر بالأهمية التي أولاها بيرون والبيرونية للرموز، وكانت إيفيتا رمزاً”.
صدر الصورة، كيستون / جيتي إيماجيس
ظهرت هذه الحقيقة بوضوح خلال الأسابيع التي تلت وفاتها، بعد أن نجح آرا في تحنيط جثمان إيفيتا على نحو بدا وكأنه حي، مستخدماً تقنية الحقن بالبارافين والجلسرين، إذ زار نعشها مليونا شخص خلال فترة عرضه في مبنى البرلمان لمدة أربعة عشر يوماً، واستمرت روح التفاني التي ألهمتها في حياتها موجودة حتى بعد وفاتها.
كانت الرمزية التي اكتسبها جثمان إيفيتا سبباً في رحلة طويلة وصعبة على مدى السنوات الست عشرة التالية، فعندما أُطيح بحكم بيرون عام 1955، سعت الديكتاتورية بقيادة الجنرال بيدرو أرامبورو إلى القضاء على جميع مظاهر فترة الحكم البيرونية، وكان النظام الحاكم الجديد يخشى أن يصبح جثمانها رمزاً للمقاومة.
وبناء على ذلك، كان كارلوس موري كوينغ، مدير جهاز استخبارات الجيش، يتنقل بجثمانها بين مواقع مختلفة في بوينس آيرس، مدفوعاً بهواجس تنطوي على احتمال أن يسعى أنصار البيرونية إلى استعادته، وقيل إن جثمان إيفيتا كان يُخفى داخل شاحنة متوقفة في شوارع العاصمة، وخلف شاشة عرض في إحدى دور السينما، وداخل منشآت مياه المدينة، وأينما نُقل كانت تظهر زهور وشموع.
ثم نقل كوينغ الجثمان إلى مكتبه، ويقال إنه كان يضع التابوت في وضع رأسي، ويعرضه على الزائرين، وقيل أيضاً إنه أصبح مهووساً بجثمانها.
صدر الصورة، فوتو كويست / جيتي إيماجيس
وقال الضابط هيكتور كابانياس، في فيلم وثائقي بعنوان “إيفيتا، القبر بلا سلام”، أُنتج عام 1997: “كنت أعرفه (كوينغ) منذ أيام الكلية العسكرية، كان طبيعياً تماماً، لكن بعد أن أصبح الجثمان في حوزته، جُنَّ جنونه”.
وقالت الأكاديمية الأرجنتينية، سيسيليا ماكون، لبي بي سي عام 2012 إنه على الرغم من صعوبة معرفة الحقيقة، نظراً لأن “الأسطورة والتاريخ يمتزجان باستمرار في القصص المتعلقة بإيفيتا”، فإن إحدى الروايات تفيد بأن كوينغ افتُتن بالجثمان الذي كان مكلفاً بحراسته، قبل أن يُعفى من مهامه عام 1957.
وعقب ذلك، أُنيطت بكابانياس مهمة إخفاء جثمان إيفيتا، فرتّب عملية نقله إلى إيطاليا عام 1957، ودُفن الجثمان في مقبرة بمدينة ميلانو تحت اسم ماريا ماجي دي ماجيستريس، بيد أن أنصارها لم ينسوها، وظهرت كتابات على الجدران في بوينس آيرس تتساءل “أين جثمان إيفا بيرون؟”، كما أصبحت المطالبة بإعادة جثمانها شعاراً تعبوياً لأنصار فترة الحكم البيرونية في الأرجنتين.
صدر الصورة، كيستون / جيتي إيماجيس
ترى فيوروتشي أن اختفاء جثمان إيفيتا على يد الجيش أضفى عليه مزيداً من الرمزية، وقالت: “الألم الذي أُلحق بجثمان إيفيتا كان أيضاً رمزاً لذلك الألم الذي أُلحق بالطبقة العاملة”.
سعى نظام حكم جديد، عام 1971، إلى إعادة الأرجنتين إلى الحكم الديمقراطي، فخفف القيود المفروضة على أنصار فترة الحكم البيرونية، ووافق على إعادة جثمان إيفيتا إلى الرئيس السابق خوان بيرون، وقد سُلّم الجثمان داخل تابوت فضي في فيلا كان الديكتاتور السابق يسكن فيها في ضواحي مدريد خلال منفاه، برفقة زوجته الثالثة إيزابيل.
كان كارلوس سبادوني، وهو في ذلك الوقت من المقربين إلى خوان بيرون، أحد أوائل من شاهدوا جثمان إيفيتا، وقال لبي بي سي عام 2012: “أخرجنا أنا والجنرال بيرون والبستاني الجثمان من التابوت. ووضعناه على طاولة ذات سطح رخامي، فاتسخت أيدينا جميعاً بالتراب، لذلك كان لا بد من تنظيف الجثمان، وقد تولت إيزابيل ذلك مستخدمة قطعة قماش قطنية وماء، ولا شيء آخر، وكانت تعمل ذلك بعناية فائقة، ثم مشطت إيزابيل الشعر الأشقر، كان طويلاً، وكانت تنظفه خصلة خصلة بمشط، ثم تجففه بمجفف الشعر”.
وانتشرت من جديد روايات بشأن ما حدث بعد ذلك، وتركزت الروايات على معتقدات غيبية كان يؤمن بها وزير الحكومة السابق، خوسيه لوبيز ريغا.
ووفقاً لإحدى الروايات، طلب السياسي البيروني من إيزابيل أن تنام إلى جوار جثمان إيفا بيرون حتى تنتقل إليها قوة إيفيتا السياسية السحرية، وكانت مثل هذه المعتقدات تعكس مدى التبجيل الذي بلغ حدّاً يكاد يكون دينياً، والذي كان أنصار إيفيتا يكنونه لها.
صدر الصورة، صور جيتي
أصبحت الراقصة السابقة في صالات الرقص، التي صعدت إلى السلطة برفقة زوجها، زعيمة روحية في نظر أنصارها، واكتسب جثمانها أهمية مقدسة لديهم، رغم أنها كانت أيضاً موضع انتقاد شديد لدى مناهضي البيرونية.
عاد خوان بيرون إلى السلطة في الأرجنتين عام 1973، وكانت إيزابيل تشغل منصب نائبة الرئيس، وظل جثمان إيفيتا في إسبانيا، بيد أنه بعد وفاة خوان المفاجئة عام 1974، أُعيد جثمانها إلى بوينس آيرس.
كان دومينغو تيليتشيا، المتخصص في ترميم الأعمال الفنية والآثار والرفات البشرية، جالساً في حانة بالعاصمة الأرجنتينية عندما طُلب منه لأول مرة إصلاح الأضرار التي لحقت بجثمان إيفيتا.
وقال لبي بي سي عام 2012: “دخل رجلان يرتديان ملابس سوداء بالكامل، ودفعا الباب بقوة ثم نظرا إلينا، كان ذلك أمراً بالغ الخطورة، لأن الناس في تلك الأيام كانوا يُعتقلون ويختفون قسراً، ثم لا يُشاهدون مرة أخرى أبداً”.
وبسبب خوف تيليتشيا من فرق القتل التابعة للحكومة، شعر بارتياح عندما علم أن الرجلين كانا سائقين، اقتاداه إلى لقاء أوسكار إيفانيسيفيتش، الطبيب الشخصي السابق لإيفا بيرون، ويتذكر: “قال لي (لدينا مهمة لك، نريدك أن ترمم جثمان إيفا بيرون)”.
صدر الصورة، صور جيتي
قبل تيليتشيا المهمة، رغم إدراكه لما تنطوي عليه من مخاطر، وقال: “كان هذا العمل يعني أن أضع نفسي في مواجهة الأشخاص الذين أخفوا الجثمان، وكان كثيرون يتمنون فعلاً ألا تعود إيفيتا إلى الظهور أبداً، كنت أعلم أن ذلك قد يجلب لي المتاعب، تعرضت لتهديدات، وتهديدات هاتفية، وإحراق سيارتي”.
واضطر المرمم لاحقاً إلى ترك البلاد، بعدما أصبحت قسوة الدولة والتعذيب سياسة ممنهجة في الأرجنتين في ظل أنظمة الحكم المتعاقبة.
وعلى الرغم من ذلك، دُفنت إيفيتا أخيراً في أكتوبر/تشرين الأول عام 1976، ولم يشهد مراسم دفنها سوى عدد قليل من الأشخاص.
جرى تحصين القبر لضمان ألا تتعرض رفاتها لأي عبث مرة أخرى، وكان القبر الرخامي يضم باباً سريّاً في الأرض يؤدي إلى غرفة سريّة، وكانت تلك الغرفة تضم أيضاً باباً سريّاً يؤدي إلى غرفة أخرى تضم تابوتها.
وحتى بعد مرور أربعة وعشرين عاماً على وفاتها، ظلت قوة إيفيتا الرمزية تقتضي أن يُدفن جثمانها في قبر على عمق خمسة أمتار تحت سطح الأرض.
إقرأ المزيد


