بتوقيت بيروت - 7/18/2026 10:33:08 AM - GMT (+2 )
صدر الصورة، صفحة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على فيسبوك
بعد نحو عشرة أيام فقط من إحالة الحكومة مشروع القانون إلى مجلس النواب، أقر البرلمان المصري، الثلاثاء، مشروع قانون لإعادة تنظيم عمل “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، وهو كيان اقتصادي حكومي يشرف على عدد من المشروعات الاستراتيجية للدولة، خاصة في مجالات الزراعة والأمن الغذائي، كما يتولى إدارة بعض الأصول والمشروعات والدخول في شراكات مع القطاع الخاص.
ويقضي مشروع القانون، الذي لا يزال ينتظر تصديق الرئيس لدخوله حيز التنفيذ، بنقل تبعية الجهاز من القوات المسلحة إلى رئيس الجمهورية، ومنحه صفة هيئة اقتصادية ذات طبيعة خاصة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والفني.
وكان الجهاز قد أُنشئ رسمياً بقرار رئاسي عام 2022، بينما يعود نشاطه العملي إلى عام 2017، حين بدأ تنفيذ مشروعات للاستصلاح الزراعي باستخدام أساليب الري الحديث وتكنولوجيا الزراعة الدقيقة، وفقاً لبيانات حكومية سابقة.
وتقول الحكومة إن الجهاز لم يكن يعمل خارج إطار قانوني، إذ تأسس بقرار جمهوري، لكن توسع نطاق مهامه خلال السنوات الماضية استدعى وضع قانون ينظم اختصاصاته، ويمنحه مرونة أكبر في تنفيذ المشروعات التنموية وجذب الاستثمارات، مع إخضاعه لآليات الرقابة.
صدر الصورة، صفحة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على فيسبوك
يعمل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على تنفيذ مشروعات واسعة في مجالات الزراعة والأمن الغذائي، بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، خاصة في السلع الاستراتيجية.
ومن أبرز المشروعات التي يشرف عليها الجهاز مشروع استصلاح واستزراع نحو 4.5 مليون فدان، إلى جانب مشروعات مرتبطة بالتخزين والإنتاج الزراعي والحيواني والطاقة.
كما ينص القانون الجديد على إنشاء صندوقين تابعين للجهاز؛ أحدهما استثماري باسم “أهرامات النيل”، والآخر خدمي باسم “داعم”.
ويهدف صندوق “أهرامات النيل” إلى توفير أداة استثمارية تساعد الجهاز على إدارة الأصول وتمويل المشروعات والدخول في شراكات استثمارية، بينما يخصص صندوق “داعم” لتمويل برامج ذات طابع خدمي وتنموي.
وقال بهاء الغنام، رئيس الجهاز، أمام البرلمان، إن نقل تبعية الجهاز إلى رئاسة الجمهورية وإنشاء الصندوقين يهدفان إلى تحويله إلى “حاضنة أعمال” تفتح المجال أمام الاستثمارات الخاصة.
صدر الصورة، صفحة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على فيسبوك
يرى منتقدون أن القانون يمنح الجهاز صلاحيات واسعة قد تؤدي إلى تداخل أدواره مع مؤسسات حكومية أخرى، بينما يقول مؤيدوه إنه يضع إطاراً قانونياً لكيان قائم بالفعل ويساعده على تنفيذ مشروعاته بكفاءة أكبر.
ويقول الدكتور مصطفى كمال السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن تمرير القانون جاء دون مراجعة كافية لدور الجهاز، معتبراً أن الصلاحيات الممنوحة له قد تؤدي إلى ما وصفه بـ”دولة داخل الدولة”.
ويربط السيد بين سرعة إقرار القانون وتعهدات الحكومة المصرية بتوسيع دور القطاع الخاص في الاقتصاد، ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، والذي يتضمن تقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي.
في المقابل، يرى النائب البرلماني مصطفى بكري أن القانون جاء لتنظيم عمل كيان حقق، بحسب وصفه، نجاحات في مجال التنمية الزراعية، مشيراً إلى أن البرلمان أدخل تعديلات واسعة على مشروع القانون.
وقال بكري لـبي بي سي نيوز عربي إن النواب أجروا 73 تعديلاً على مواد القانون البالغ عددها 81 مادة، بهدف تعزيز الرقابة وتقليص بعض الاستثناءات التي أثارت تحفظات.
وشملت التعديلات إخضاع الجهاز بصورة أوضح لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وتقليص بعض الإعفاءات، وإلزامه بسداد التزاماته الضريبية والتأمينية. كما حذف البرلمان مادة كانت تلزم الخزانة العامة بتحمل بعض الضرائب والرسوم المستحقة عليه، وأعاد الرقابة الكاملة للجهاز المركزي للمحاسبات، وقصر صلاحيات الجهاز المتعلقة بالأراضي على تلك الواقعة تحت ولايته.
لكن الصيغة النهائية للقانون، التي اطلعت عليها بي بي سي، أبقت على صلاحيات واسعة تمنح الجهاز مرونة في إدارة المشروعات والاستثمارات، من بينها الاقتراض، والحصول على تسهيلات ائتمانية، وإصدار التراخيص داخل مناطق التنمية المستدامة، ومنح الموافقات اللازمة للمشروعات.
رغم التعديلات التي أدخلها البرلمان على مشروع القانون، يرى منتقدون أن الصيغة النهائية لا تعالج بشكل كافٍ المخاوف المتعلقة باتساع صلاحيات جهاز مستقبل مصر.
وأعدت الباحثة ندى عرفات، من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ورقة تحليلية حول القانون، وقالت لـبي بي سي نيوز عربي إن “الصيغة الأولى للقانون كانت كارثية، وحتى بعد التعديلات، لا يوجد في القانون ما يضع الجهاز تحت طائلة القانون العام، ولكنه يشرعن الاستثناء”.
وترى عرفات أن القانون يجمع في يد جهة واحدة أدواراً متعددة؛ إذ يمنح الجهاز صلاحيات التخطيط والتنظيم وإدارة الأصول والاستثمار ومنح التراخيص والرقابة على بعض الأنشطة، وهو ما قد يؤدي، بحسب رأيها، إلى تضارب في المصالح بين دوره كجهة مستثمرة ودوره كجهة منظمة ومراقبة.
وتضيف أن من بين المخاوف المتعلقة بالقانون طريقة إدارة الأصول العامة، إذ ترى أن هناك حاجة إلى مزيد من الشفافية بشأن الأراضي والمشروعات التي يديرها الجهاز، بما في ذلك نشر البيانات المالية والعقود ودراسات الجدوى.
في المقابل، يرى مؤيدو القانون أن الجدل حول الجهاز يرتبط بدرجة كبيرة بغياب إطار تشريعي واضح خلال السنوات الماضية، وأن القانون الجديد يهدف إلى تنظيم عمل كيان توسع دوره بالفعل.
وقال الدكتور محمد فؤاد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدل، إن الحزب وافق على القانون رغم تحفظاته، بعد المشاركة في إدخال تعديلات عليه.
وأضاف فؤاد لـبي بي سي نيوز عربي أن أحد المكاسب الرئيسية للقانون هو كشف الوضع القانوني والمالي لكيان اقتصادي كان يعمل لسنوات دون وضوح كامل بشأن ميزانيته وأصوله، إضافة إلى فك ارتباطه بالقوات المسلحة.
وأوضح فؤاد أن نجاح التجربة سيعتمد على قدرة الجهاز على تحقيق التوازن بين المرونة في إدارة المشروعات والالتزام بالحوكمة والشفافية، والفصل بين دوره كمستثمر ودوره التنظيمي.
ومن جانبه، أكد رئيس الجهاز، بهاء الغنام، أمام البرلمان أن القانون لا يمنح الجهاز صلاحيات على أراضٍ تقع تحت ولاية جهات حكومية أخرى، وأن عمله سيظل ملتزماً بالدستور ويحافظ على اختصاصات مؤسسات الدولة المختلفة.
صدر الصورة، صفحة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على فيسبوك
وتقول الحكومة المصرية في أكثر من مناسبة خلال الأعوام الماضية إنها تعمل على إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد، عبر زيادة مشاركة القطاع الخاص وطرح حصص في بعض الشركات الحكومية، بما في ذلك شركات تابعة للقوات المسلحة.
ووفقاً لتقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عام 2025، تمتلك الدولة المصرية مئات الشركات والكيانات الاقتصادية العاملة في قطاعات مختلفة، من الطاقة والنقل إلى الزراعة والصناعة والخدمات. وتشير بيانات حكومية إلى وجود نحو 709 شركات مملوكة للدولة، بينما يقدّر الصندوق أن العدد قد يصل إلى نحو 950 كياناً عند احتساب مختلف أشكال الملكية الحكومية والجهات التابعة لها.
وأشار التقرير إلى أن الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة تمثل جزءاً من هذا المشهد الاقتصادي، مع تقديرات تشير إلى وجود نحو 80 شركة تابعة للجيش تعمل في قطاعات متنوعة، لكنها لا تظهر ضمن قاعدة بيانات الشركات الحكومية الرئيسية.
وترى الحكومة أن وجود هذه الكيانات ساعد في تنفيذ مشروعات كبرى وتوفير السلع والخدمات في قطاعات استراتيجية، بينما يرى منتقدون أن اتساع دور الدولة قد يؤثر على قدرة الشركات الخاصة على المنافسة، خصوصاً إذا تمتعت بعض الجهات بمزايا تنظيمية أو إجرائية خاصة.
وفي إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي المرتبط باتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، تعهدت الحكومة بزيادة مشاركة القطاع الخاص وتحسين بيئة المنافسة، بما يشمل برنامجاً لطرح حصص في شركات مملوكة للدولة لمستثمرين من القطاع الخاص. ويقول الصندوق إن تقليص البصمة الاقتصادية للدولة وخلق بيئة تنافسية أكثر تكافؤاً يمثلان جزءاً أساسياً من الإصلاحات المطلوبة لتعزيز النمو بقيادة القطاع الخاص.
إقرأ المزيد


