بتوقيت بيروت - 7/13/2026 3:19:43 PM - GMT (+2 )
صدر الصورة، الأناضول عبر غيتي إيماجز
بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، انتقلت العلاقة بين بغداد وواشنطن من الاحتلال العسكري إلى ما يصفه البلدان بشراكة استراتيجية، إلّا أنّها ظلت محكومة بخلافات بشأن الوجود الأمريكي وعلاقات العراق بإيران ونفوذ الفصائل المسلحة.
وتشمل المصالح المشتركة تدريب القوات العراقية وإدارة عائدات النفط بالدولار والاستثمارات، فيما تركز واشنطن على منع عودة تنظيم الدولة والحد من نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران وتوسيع التعاون الاقتصادي والطاقة. وتُودع عائدات النفط العراقية في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما يمنح واشنطن نفوذاً مالياً مهماً.
وبدأ رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، الاثنين، زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة وسط تجدد التصعيد مع إيران وضغوط أمريكية على بغداد لكبح الفصائل المدعومة من طهران. وتقول الحكومة العراقية إن الزيارة ستشهد توقيع مذكرات تفاهم في النفط والغاز واستقطاب شركات أمريكية.
فكيف تطورت العلاقة منذ 2003؟ وماذا يريد الطرفان؟ وهل تمثل الزيارة تحولاً أم محطة جديدة في مسار من التعاون والخلاف؟
صدر الصورة، صور جيتي
بدأ الفصل الحالي من العلاقات في مارس/آذار 2003، عندما قادت الولايات المتحدة غزو العراق وأسقطت نظام صدام حسين. وكانت المزاعم بامتلاك العراق مخزونات من أسلحة الدمار الشامل من أبرز المبررات المعلنة للغزو، لكن تلك المخزونات لم يُعثر عليها لاحقاً.
وبعد سقوط النظام، تولت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا، إدارة العراق حتى نُقلت السيادة إلى حكومة عراقية مؤقتة في يونيو/حزيران 2004.
ودخل العراق خلال السنوات التالية مرحلة سياسية وأمنية مضطربة، شهدت فراغاً أمنياً وتمرداً مسلحاً وتصاعداً في العنف الطائفي. وظل الوجود الأمريكي وطبيعة دور واشنطن موضع خلاف بين القوى السياسية العراقية.
وقدمت الولايات المتحدة موارد بشرية ومالية كبيرة لإعادة الإعمار وتدريب القوات العراقية، وقالت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إن هدفها دعم عراق موحد ومستقر وقادر على إدارة أمنه.
وفي عام 2008، وقّع البلدان اتفاقية أمنية حددت نهاية عام 2011 موعداً لانسحاب القوات الأمريكية، واتفاقية إطار استراتيجي للتعاون في مجالات شملت الاقتصاد والطاقة والتعليم والثقافة والأمن.
وأكملت الولايات المتحدة سحب قواتها العاملة في العراق في ديسمبر/كانون الأول 2011. لكن العلاقات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية استمرت عبر السفارة الأمريكية ومكتب التعاون الأمني وبرامج التدريب وصفقات السلاح والتعاون المالي.
صدر الصورة، صور جيتي
لكن الانسحاب الأمريكي الواسع لم يستمر سوى نحو ثلاث سنوات.
ففي صيف 2014، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل ومساحات واسعة من شمال العراق وغربه، بعد انهيار وحدات من القوات العراقية. وبطلب من بغداد، عادت قوات أمريكية إلى البلاد، وشُكّل تحالف دولي بقيادة واشنطن قدم ضربات جوية وتدريباً ومشورة ومعلومات استخباراتية للقوات العراقية والبيشمركة.
وتشكّل الحشد الشعبي عام 2014 وشارك في القتال، قبل أن يصبح هيئة رسمية ضمن القوات المسلحة العراقية بموجب قانون أُقر عام 2016. ويضم الحشد فصائل متباينة، يرتبط بعضها بعلاقات وثيقة مع إيران، لكن ذلك لا ينطبق بالدرجة نفسها على جميع مكوناته.
وبعد أن فقد التنظيم الأراضي التي سيطر عليها في العراق عام 2017، ثم في سوريا عام 2019، برز جدل بشأن مهمة القوات الأمريكية وموعد انسحابها. وواصل التنظيم تنفيذ هجمات متفرقة، من دون استعادة سيطرته السابقة.
وفي نهاية 2021، أعلنت بغداد وواشنطن انتهاء الدور القتالي الأمريكي وتحويل مهمة القوات المتبقية إلى التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات، من دون انخفاض كبير في عددها الذي بقي عند نحو 2500 جندي.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، اتفق البلدان على خطة من مرحلتين لإنهاء مهمة التحالف داخل العراق، ثم مواصلة دعم عمليات مكافحة التنظيم في سوريا انطلاقاً من الأراضي العراقية، بالتوازي مع الانتقال إلى تعاون أمني ثنائي.
وخلال إعادة الانتشار، انسحبت القوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد، التي أعلن الجيش العراقي تسلّمها بالكامل في يناير/كانون الثاني 2026. وقال مسؤول أمريكي إن عدد القوات سينخفض إلى أقل من ألفي جندي، يتمركز معظمهم في أربيل، من دون إعلان رقم نهائي.
وتنص خطة 2024 على استمرار دعم العمليات في سوريا من العراق حتى سبتمبر/أيلول 2026 على الأقل، وفق الظروف الميدانية والمشاورات بين البلدين. ولا يعني ذلك بالضرورة خروج جميع القوات الأمريكية، إذ قد يبقى بعضها ضمن التعاون الأمني الثنائي.
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
أدى إسقاط صدام حسين، الذي خاض حرباً مع إيران بين عامي 1980 و1988، إلى إزالة أحد أبرز خصوم طهران وصعود قوى سياسية شيعية كانت لبعضها علاقات طويلة معها.
ووسّعت إيران نفوذها في العراق عبر السياسة والتجارة والطاقة ودعم فصائل مسلحة، أصبح بعضها جزءاً من المؤسسات الرسمية مع احتفاظه بدرجة من الاستقلال عن الحكومة. وفي المقابل، تعتمد بغداد على واشنطن في الأمن والنظام المالي والاستثمارات، بينما تربطها بإيران حدود طويلة وعلاقات اقتصادية واجتماعية ودينية.
وتجلّى هذا التوازن في يناير/كانون الثاني 2020، عندما قتلت الولايات المتحدة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس قرب مطار بغداد. واعتبرت الحكومة العراقية الضربة انتهاكاً للسيادة، فيما أقرّ البرلمان قراراً غير ملزم دعا إلى إنهاء وجود القوات الأجنبية.
وتصاعد التوتر بعد حرب غزة، ثم اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير/شباط 2026. واتهمت واشنطن ودول خليجية فصائل تعمل من العراق بمهاجمة أراضيها، وردت الولايات المتحدة بضربات وعقوبات وضغوط مالية على بغداد.
وترى واشنطن أن القضية تتعلق بقدرة الدولة العراقية على حصر السلاح بيدها ومنع الفصائل من اتخاذ قرارات الحرب خارج سلطتها.
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
لا يخضع العراق لعقوبات أمريكية شاملة، لكن واشنطن فرضت عقوبات على أفراد وشركات عراقية اتهمتهم بمساعدة إيران، ومنعت مصارف من التعامل بالدولار بسبب مخاوف تتعلق بغسل الأموال والتهرب من العقوبات.
وتتمتع واشنطن بنفوذ كبير لأن معظم عائدات النفط العراقية تُودع في حساب سيادي للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ضمن نظام تعود جذوره إلى صندوق تنمية العراق الذي أُنشئ عام 2003.
وهذه أموال عراقية، لكن وجودها داخل النظام المالي الأمريكي يمنح واشنطن قدرة على تشديد التحويلات أو تقييد وصول بعض المصارف إلى الدولار.
ومنذ أواخر عام 2022، شددت السلطات الأمريكية الرقابة على التحويلات، ما أدى في بعض الفترات إلى اضطراب سوق الصرف وتراجع قيمة الدينار.
وفي أبريل/نيسان 2026، أوقفت واشنطن شحنة نقدية بنحو 500 مليون دولار، فيما قالت مصادر عراقية إنها علّقت جوانب من التعاون الأمني للضغط على بغداد بعد هجمات لفصائل مرتبطة بإيران. وفي يوليو/تموز، أفادت تقارير أمريكية باستئناف شحنات محدودة بعد موافقة العراق على ضوابط إضافية.
وهكذا أصبح الدولار إحدى أبرز أدوات الضغط الأمريكي على بغداد.
صدر الصورة، وكالة فرانس برس عبر غيتي إيماجز
يمتلك العراق احتياطيات نفطية ضخمة، لكنه يعاني نقصاً مزمناً في الكهرباء ويعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الإيراني.
وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن الغاز الإيراني كان يغطي أكثر من 30 في المئة من إنتاج الكهرباء. وفي عام 2024، بلغت القدرة المتاحة في العراق الاتحادي نحو 25 غيغاواط، مقابل طلب صيفي بلغ 48 غيغاواط.
وفي المقابل، أحرق العراق نحو 625 مليار قدم مكعبة من الغاز المصاحب عام 2023 بسبب نقص منشآت المعالجة والأنابيب، ليحتل المرتبة الثالثة عالمياً.
وتريد واشنطن تقليص اعتماد بغداد على إيران، بينما يسعى العراق إلى استثمارات لاستغلال الغاز المحلي وزيادة إنتاج النفط. ومع اضطراب مضيق هرمز، تشمل الاتفاقات المتوقعة تطوير منافذ تصدير بديلة واستقدام شركات أمريكية إلى قطاع الطاقة.
تريد حكومة الزيدي تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ على التوازن بين واشنطن وطهران.
وتسعى بغداد إلى جذب الشركات الأمريكية إلى قطاعات الطاقة والبنية التحتية، وضمان استقرار تدفق الدولار وتجنب قيود جديدة على مصارفها.
أمنياً، تريد تقوية القوات العراقية ومواصلة التدريب والمشورة وتبادل المعلومات، ضمن علاقة ثنائية تحل محل دور التحالف الدولي.
كما تسعى إلى كسب دعم واشنطن لجهود حصر السلاح بيد الدولة، وسط انقسام الفصائل بين من بدأ تسليم أسلحته ومن يرفض ذلك.
صدر الصورة، صور جيتي
تضغط إدارة ترامب من أجل خطوات عملية لنزع سلاح الفصائل المرتبطة بإيران ومنعها من استهداف المصالح الأمريكية وشركاء واشنطن في المنطقة.
كما تريد تشديد الرقابة على الدولار ومكافحة شبكات تتهمها بتهريب الأموال والنفط لصالح إيران وحلفائها، وتقليص اعتماد العراق على الغاز الإيراني، مع توسيع فرص الشركات الأمريكية.
أمنياً، تسعى واشنطن إلى منع عودة تنظيم الدولة ومراقبة مخاطره في العراق وسوريا، من دون وجود عسكري واسع. وبصورة أوسع، تريد عراقاً مستقراً وأكثر استقلالاً عن إيران، يتحمل مسؤولية أكبر عن أمنه واحتياجاته من الطاقة.
إقرأ المزيد


