بتوقيت بيروت - 7/8/2026 8:38:12 AM - GMT (+2 )

عاد ملف الأرصدة الإيرانية المجمدة في قطر إلى واجهة الاهتمام، في ظل تصريحات إيرانية تتحدث عن قرب الإفراج عنها، مقابل تأكيدات قطرية بأن مصيرها لا يزال مرتبطًا بالتفاهمات بين واشنطن وطهران، في واحد من أكثر الملفات المالية والدبلوماسية تعقيدًا، لتشابك العقوبات الدولية مع الوساطات السياسية والاعتبارات الاقتصادية.
وتبلغ قيمة الأرصدة الإيرانية الموجودة في حسابات مصرفية داخل قطر ستة مليارات دولار، وهي ليست أموالًا جديدة أو مساعدات مالية، وإنما جزء من عائدات صادرات النفط الإيرانية التي تراكمت قبل تشديد العقوبات الأميركية، وتندرج ضمن شبكة واسعة من الأصول الإيرانية المجمدة حول العالم.
ستة مليارات
وتعود قصة هذه الأموال إلى خريف عام 2023، عندما نجحت الوساطة القطرية في التوصل إلى اتفاق لتبادل المحتجزين بين الولايات المتحدة وإيران، وافقت واشنطن بموجبه على نقل ستة مليارات دولار كانت محتجزة في بنوك كوريا الجنوبية إلى حسابات مصرفية خاصة في قطر، تخضع لإشراف ورقابة مصرف قطر المركزي.
ووفق تقديرات البنك الدولي ومعهد التمويل الدولي، فإن هذا المبلغ يمثل جزءًا محدودًا من إجمالي الأصول الإيرانية المجمدة عالميًا، والتي تتراوح قيمتها بين 100 و120 مليار دولار.
وتتوزع هذه الأصول بين عدة دول، إذ تحتفظ الصين بأكثر من 20 مليار دولار، فيما تمتلك الهند جزءًا كبيرًا من عائدات النفط الإيرانية، إلى جانب نحو 1.6 مليار دولار في لوكسمبورغ، و1.5 مليار دولار في اليابان، فضلًا عن أموال كانت محتجزة في كوريا الجنوبية تقدر بنحو 12 مليار دولار، قبل نقل جزء منها إلى الدوحة.
وجاء اختيار قطر لاستضافة هذه الأموال نتيجة دورها في الوساطة بين واشنطن وطهران، إلى جانب امتلاكها نظامًا مصرفيًا يحظى بثقة الطرفين، فيما رغبت كوريا الجنوبية أيضًا في إخراج الملف من أراضيها لتجنب الضغوط السياسية المرتبطة به.
تجميد جديدولم يمض وقت طويل على نقل الأموال إلى قطر حتى أعادت التطورات السياسية والإقليمية الملف إلى نقطة الصفر، إذ قررت الولايات المتحدة إعادة تجميد هذه الأرصدة عمليًا، لتبقى الحسابات المصرفية مغلقة حتى الآن.
وتبرز في هذا السياق تباينات واضحة بين المواقف الإيرانية والقطرية.
ففي 20 يونيو/حزيران الماضي، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن مبلغ الستة مليارات دولار الموجود في قطر سيُفرج عنه ويعود إلى إيران، فيما طالب مستشار المرشد الإيراني محسن رضائي بالإفراج عن أصول إيرانية أخرى مجمدة في الخارج.
في المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، خلال مؤتمر صحفي عقده في 30 يونيو/حزيران الماضي، أنه لم يُحوّل حتى الآن أي جزء من الأموال الإيرانية المجمدة إلى طهران، موضحًا أن الإفراج عنها يرتبط بشكل مباشر بنتائج المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
كما شددت الدوحة على أنها لم تستضف لقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين بشأن الملف، ولم تقدم أي أموال إضافية، مؤكدة أن دورها يقتصر على تنفيذ ما يتفق عليه الطرفان، دون امتلاك صلاحية اتخاذ قرار منفرد بشأن هذه الأموال.
أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فأوضح أن واشنطن لا تنظر إلى هذه الأموال باعتبارها تحويلات نقدية مباشرة، وإنما يجب استخدامها وفق رقابة صارمة لشراء سلع، مع إمكانية توجيه جزء منها لشراء منتجات أميركية.
“رئة تنفسية”ويرى أستاذ الإدارة والاقتصاد بجامعة قطر، جلال قناص، أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة يمثل نموذجًا واضحًا لاستخدام الأصول المالية كورقة ضغط سياسية.
وأوضح أن الإفراج عن هذه الأموال لن يعني دخول سيولة نقدية مباشرة إلى الخزانة الإيرانية، إذ إن استخدامها سيكون محصورًا في شراء الغذاء والدواء والمعدات الطبية وغيرها من الاحتياجات الإنسانية، وفق الشروط الموضوعة.
وأشار إلى أن أهمية هذه الأموال تكمن في آثارها غير المباشرة على الاقتصاد الإيراني، من خلال ثلاثة مسارات رئيسية.
أولها، تخفيف الضغط على احتياطات البنك المركزي الإيراني من العملات الأجنبية، إذ يسمح استخدام هذه الأموال في تمويل الواردات الأساسية بالحفاظ على ما تبقى من الاحتياطي النقدي.
أما المسار الثاني، فيتمثل في الحد من التضخم المستورد، نتيجة تقليص تكاليف الاستيراد والاعتماد على القنوات الرسمية بدل الوساطات المكلفة.
في حين يتمثل الأثر الثالث في الجانب النفسي، إذ إن أي تقدم في هذا الملف من شأنه تهدئة أسواق الصرف والحد من المضاربات على العملة المحلية.
ويؤكد قناص أن هذه المليارات الستة لا تمثل حلًا للأزمات الاقتصادية الهيكلية التي تعاني منها إيران، لكنها تمنح اقتصادها مساحة مهمة للمناورة، وتوفر قدرًا من الاستقرار المؤقت على المستويين النقدي والمعيشي.
ويبقى مصير الأموال مرهونًا بنتائج المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، إذ تشير التقديرات إلى أنه في حال التوصل إلى اتفاق، ستُنقل الأموال عبر تحويلات مصرفية مقيدة، تخصص مباشرة لسداد قيمة المشتريات المسموح بها، دون أن تصبح متاحة نقدًا للحكومة الإيرانية.
كما تشير بعض السيناريوهات إلى احتمال اشتراط الولايات المتحدة توجيه جزء من هذه الأموال لشراء منتجات أميركية.
أجل غير محدد،
وفي المقابل، تتحدث تقديرات أخرى عن احتمال اقتطاع جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، سواء الموجودة في قطر أو في دول أخرى، لتخصيصها كتعويضات لدول خليجية عن أضرار نزاعات وتصعيدات سابقة، وهو ما قد يحول دون حصول إيران على كامل المبلغ.
أما إذا تعثرت المفاوضات أو تصاعدت التوترات مجددًا، فمن المرجح أن تبقى الأموال مجمدة داخل الحسابات القطرية إلى أجل غير محدد، لتظل ورقة تفاوضية بين واشنطن وطهران.
وتؤكد قطر تمسكها بدورها كوسيط محايد، مشددة على أنها تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وأنها تنفذ فقط ما يتم التوافق عليه بين الولايات المتحدة وإيران، دون أن تكون طرفًا في اتخاذ القرار.
ويعكس ملف الأموال الإيرانية المجمدة في قطر طبيعة التداخل بين الاقتصاد والسياسة الدولية، حيث تحولت الأصول المالية إلى أداة ضغط وتفاوض، بعد أن انتقلت من كوريا الجنوبية إلى الدوحة في إطار اتفاق تبادل محتجزين، ثم أعيد تجميدها مع تغير الظروف السياسية، ليظل مستقبلها معلقًا بين المطالب الإيرانية، والشروط الأميركية، والدور القطري كوسيط ينفذ ما يتم الاتفاق عليه.
إقرأ المزيد


