بتوقيت بيروت - 5/29/2026 6:45:37 PM - GMT (+2 )
صدر الصورة، خدمة بي بي سي العالمية
عندما حقن الأطباء نويلا موكومبي بالإنسولين للمرة الأولى، كانوا يعتقدون أنهم ينقذون حياتها، لكن الشابة البالغة من العمر 30 عاماً من جمهورية الكونغو الديمقراطية تقول إن العلاج جعلها تشعر وكأنها تحتضر.
وكانت نويلا، التي تعمل مصففة شعر، قد شُخِّصت في عام 2023 بأنها مصابة بالسكري من النوع الأول، لكنها تقول إن شيئاً ما لم يكن يبدو صحيحاً.
بعد بدء حقن الأنسولين اليومية المعتادة، تقول الأم لطفلين إنها شعرت بدوار وفقدت توازنها، ثم، في أحد الأيام، سقطت مغشياً عليها.
وتقول لبي بي سي وورلد سيرفس: “كنت أرتب ملابس الأطفال عندما وجدني زوجي على الأرض وأنا أصرخ”.
وبعد 3 سنوات، أخبرها اختصاصيون أنه من المرجح أنها مصابة بالسكري من النوع الخامس.
ويحدث مرض السكري، الذي يؤثر على أكثر من 830 مليون شخص حول العالم، عندما يعجز الجسم عن تنظيم مستوى السكر في الدم بشكل صحيح باستخدام الإنسولين، مما قد يؤدي إلى ارتفاعه إلى مستويات خطيرة.
أما النوع الخامس فهو شكل من أشكال المرض يُعتقد أنه ينتج عن فترات طويلة من سوء التغذية، خاصة خلال الطفولة والمراهقة، وقد اعترف به رسمياً العام الماضي من قبل الاتحاد الدولي للسكري، الذي يمثل 251 جمعية وطنية للسكري.
ومع ذلك، لا تعترف به منظمة الصحة العالمية، التي ترى أنه لا توجد حتى الآن أدلة كافية تشير إلى أنه شكل منفصل من المرض.
ويعتقد بعض العلماء أن النوع الخامس قد يؤثر على ما يصل إلى 25 مليون مريض بالسكري، ويحذرون من أن الخلط بينه وبين الأنواع الأخرى يتسبب في أضرار للمرضى.
وترى الدكتورة ميريديث هوكينز، مديرة المعهد العالمي للسكري في كلية ألبرت أينشتاين للطب، أن سوء التصنيف “مشكلة واسعة الانتشار جداً”، وتتسبب في وفيات نتيجة العلاج غير المناسب بالإنسولين.
يُعد السكري من النوع الأول مرضاً مناعياً ذاتياً يتوقف فيه الجسم عن إنتاج الإنسولين، بينما يرتبط السكري من النوع الثاني بمقاومة الجسم للإنسولين.
لكن العلماء يشيرون إلى أن النوع الخامس قد يكون مرتبطاً بسوء التغذية المزمن، الذي يؤثر على تطور البنكرياس، وهو العضو المسؤول عن إنتاج الإنسولين.
وقد يظل هؤلاء المرضى قادرين على إنتاج الإنسولين، لكن بكميات غير كافية، كما أنهم قد يكونون شديدي الحساسية تجاهه بشكل غير معتاد، ولهذا السبب قد لا تنجح العلاجات التقليدية دائماً، بل قد تكون ضارة في بعض الحالات، وكما حدث مع نويلا موكومبي، فإن حتى الجرعة المعتادة من الإنسولين يمكن أن تسبب نقص سكر الدم، أي انخفاض مستوى السكر إلى درجات خطيرة قد تكون قاتلة.
وكما هو الحال مع الأنواع الأخرى، يمكن أن يؤدي النوع الخامس إلى مضاعفات خطيرة تشمل العمى، والفشل الكلوي، وتلف الأعصاب، والجروح بطيئة الالتئام التي قد تستدعي بتر الأطراف.
وبسبب تأثيره غالباً على الشباب الذين يعانون من نحافة شديدة وارتفاع كبير في مستوى السكر بالدم، فمن السهل الخلط بينه وبين النوع الأول، كما أن الأعراض قد تكون متشابهة جداً.
وتقول نويلا، التي تعيش حالياً في أوغندا، إن هذه كانت تجربتها، فقد كانت نحيفة، وبعد وقت قصير من ولادة طفلها الثاني بدأت تشعر بالمرض.
وتقول: “كان فمي جافاً دائماً، كنت أشرب الكثير من الماء، وحتى في الليل كنت أستيقظ مرتين أو ثلاث مرات”.
كما فقدت الوزن بسرعة، إذ انخفض وزنها من 58 كيلوغراماً إلى 49 كيلوغراماً، وكانت تشعر بإرهاق مستمر، وهما من الأعراض الشائعة للسكري من النوع الأول.
صدر الصورة، صوفيا شارر
ويؤثر السكري من النوع الخامس بشكل خاص على المرضى في مناطق من آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء، حيث لا يزال سوء التغذية في مرحلة الطفولة واسع الانتشار، ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن حالات السكري آخذة أيضاً في الارتفاع بين الأشخاص ذوي الوزن المنخفض في بلدان أخرى.
وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة ديابيتس كير، استندت إلى بيانات أكثر من 2.6 مليون بالغ في الولايات المتحدة، ارتفاعاً في معدلات ما يُسمى “السكري المرتبط بالنحافة”.
وتعتقد صوفيا شارر من لندن أنها تنطبق عليها هذه المعايير، وكانت في الثالثة والعشرين من عمرها عندما أظهرت فحوصات روتينية بشكل غير متوقع مستويات سكر في الدم ضمن نطاق السكري.
وتقول الصحفية البالغة من العمر الآن 26 عاماً إنها كانت تعاني من نقص شديد في الوزن خلال معظم طفولتها ومراهقتها، وقضت فترة في المستشفى في إحدى المراحل، وعندما بدأت تكتسب وزناً في سن التاسعة عشرة، بدأت تشعر بالتوعك.
وتقول: “كنت أشعر بجوع شديد وارتعاش سريع، وأشعر وكأنني سأفقد الوعي”.
وبعد أن استبعدت الفحوصات إصابتها بالسكري من النوع الأول أو الأشكال الجينية النادرة من المرض، تقول صوفيا إن الأطباء وضعوها في عيادة السكري من النوع الثاني “لعدم وجود بديل آخر”.
وأخبرها أحد العلماء المشاركين في تحديد النوع الخامس من داء السكري أنها على الأرجح تشترك في بعض سمات هذا المرض. ومع ذلك، وبما أنه لا يوجد حالياً اختبار تشخيصي رسمي معترف به في المملكة المتحدة، فإن حالتها لا تزال غير مؤكدة.
صدر الصورة، بي بي سي / منظمة الصحة العالمية / كليفلاند كلينك
ويفسر هذا الغياب لاختبار تشخيصي حاسم جزئياً الطريقة التي يتم بها الاعتراف بهذه الحالة دولياً.
فقد اعترفت بها منظمة الصحة العالمية في عام 1985 تحت اسم “السكري المرتبط بسوء التغذية”، قبل أن تقوم بإزالتها من التصنيفات الرسمية بعد 12 عاماً، لعدم تمكن الأطباء من الاتفاق حول ما إذا كانت تختلف عن السكري من النوع الثاني.
وبعد ذلك اختفت الحالة إلى حد كبير من الكتب الطبية الرئيسية والإرشادات السريرية.
ثم في أبريل/نيسان من عام 2025، اعترف الاتحاد الدولي للسكري رسمياً بهذه الحالة، كما ساهمت دراسة أجراها أكثر من 50 عالماً ونُشرت في مجلة ذي لانسيت العام الماضي في هذا الاعتراف.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن مراجعات نظام التصنيف لديها في عامي 1999 و2006 “لم تجد أدلة علمية كافية لتبرير وجود هذه الفئة كتصنيف منفصل”.
ومع ذلك، فإنها تقر بأن تصنيفها الحالي “لا يغطي السمات السريرية لجميع حالات السكري”، وأن النوع الخامس قد يُعاد إدراجه في إرشاداتها مستقبلاً “في حال توفر أدلة علمية جيدة” تثبت أنه فئة منفصلة.
ويقول المؤيدون إن اعتراف الاتحاد الدولي للسكري وحده بدأ بالفعل يساعد المرضى في الحصول على علاج أكثر ملاءمة.
وتقول الدكتورة ميريديث هوكينز، مديرة المعهد العالمي للسكري في كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك، في إشارة إلى كتاب طبي رئيسي يستخدمه الأطباء حول العالم: “لأول مرة على الإطلاق، سيكون هناك قريباً فصل في كتاب دِغروت لعلم الغدد الصماء”.
صدر الصورة، نويلا موكومبي
تشكك العديد من الهيئات الدولية الكبرى، بما فيها منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية للسكري، بالإضافة إلى علماء آخرين، في وجود النوع الخامس من داء السكري كحالة مرضية مستقلة.
ويرى أحد خبراء السكري في الهند أن ما يُصنَّف على أنه النوع الخامس قد يكون ببساطة شكلاً من السكري من النوع الثاني لدى الأشخاص ذوي الوزن المنخفض، أو نوعاً متغيراً من السكري من النوع الأول، وليس مرضاً مستقلاً.
ويقول الدكتور في موهان، رئيس مركز الدكتور موهان التخصصي للسكري في تشيناي: “إذا كان النوع الخامس، فكيف يتم تشخيصه؟ أروني علامة واحدة على الأقل”.
وبدون اختبار تشخيصي واحد محدد، يبحث الأطباء عن أنماط تشمل سوء التغذية في الطفولة، وانخفاض وزن الجسم، واستجابات قوية بشكل غير معتاد للإنسولين.
وقد أنشأ الاتحاد الدولي للسكري الآن مجموعة عمل لوضع معايير تشخيص رسمية وإرشادات علاجية.
وتشير الأبحاث الأولية إلى أن بعض المرضى قد يستجيبون لتحسين التغذية والعلاج الدوائي المُدار بعناية.
لكن التمويل لا يزال يمثل تحدياً كبيراً في ظل تخفيضات أوسع في المساعدات الخارجية وميزانيات الصحة العالمية، بما في ذلك من جهات مانحة رئيسية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
ويخشى بعض الباحثين أن تصبح الحالة أكثر شيوعاً في المناطق المتأثرة بالحروب والمجاعة وانعدام الأمن الغذائي.
وتقول البروفيسورة ميريديث هوكينز: “نبدو على وشك أزمة غذاء عالمية خطيرة جداً، هذا سيحمل أخباراً سيئة للغاية للجيل القادم”.
ومنذ تلقيها التشخيص المعدّل، خفّض الأطباء جرعة الإنسولين لدى نويلا وبدأوا بإعطائها دواء الميتفورمين، وهو حبوب تُستخدم غالباً لعلاج السكري من النوع الثاني.
وتقول إن صحتها تحسنت بشكل كبير، فقد تحسّن بصرها واستعادت وزنها.
وتضيف: “كنت أشعر بضعف شديد، لكنني أشعر الآن أنني أقوى بكثير”.
إقرأ المزيد


