الإيرانيون لن يسقطوا النظام والفلسطينيون الضحية الأولى للحرب – وكالة مدار نيوز
بتوقيت بيروت -

مدار نيوز، نشر بـ 2026/03/20 الساعة 12:56 مساءً

مدار نيوز \

الخطر الخارجي على دولة يتغلب دائمًا على الخطر والأزمات داخلها. وهذا ما حدث في إسرائيل بعدما صُدم الإسرائيليون بهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، خاصة أنهم معتادون على أن يكونوا الجانب المهاجم وليس الجانب الذي يتعرض لهجوم، وخاصة لهجوم بحجم 7 تشرين الأول/أكتوبر وبشكل مفاجئ دون سابق إنذار.

في بداية العام 2023، بادرت حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، بعد تشكيلها مباشرة، إلى خطة “الإصلاح القضائي” التي وصفتها المعارضة بأنها “الانقلاب على النظام”، لأن هدفها كان ولا يزال إضعاف جهاز القضاء، ما أدى إلى انقسام واسع وغير مسبوق في المجتمع الإسرائيلي بين التأييد للحكومة وبين معارضيها.

في حينه، نزل عشرات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع أسبوعيًا للتظاهر ضد خطة الحكومة، ونشأت مجموعات احتجاج ضد الخطة، وبرزت بينها مجموعات الجنود والضباط في قوات الاحتياط، لكن الضجة الأكبر أثارها انضمام مئات الطيارين في سلاح الجو إلى هذه الاحتجاجات وإعلانهم أنهم سيرفضون تأدية الخدمة العسكرية عندما يتم استدعاؤهم، وتوقف قسم كبير منهم عن التدريبات الأسبوعية التي يخضعون لها والضرورية من أجل الحفاظ على كفاءاتهم.

في الأشهر التالية، تعمق الانقسام في المجتمع الإسرائيلي واتسعت المظاهرات ضد الحكومة، التي استمرت في تعديل قوانين وسن أخرى جديدة، فيما تتهمها أحزاب المعارضة والمحتجون بأن هدف الخطة إنقاذ نتنياهو من محاكمته بتهم فساد خطيرة.

حشود إيرانية في جنازة لاريجاني، أول من أمس (Getty Images)

هذه الاحتجاجات توقفت مرة واحدة في أعقاب هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه وبدء الحرب على غزة. وجنود وضباط قوات الاحتياط تراجعوا عن تهديداتهم برفض الخدمة العسكرية وشاركوا في الحرب، وخاصة الطيارين الحربيين الذين ارتكبوا أبشع جرائم الإبادة.

نتنياهو يرفض الاستفادة من هذه التجربة في حربه على إيران التي أقنع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بمشاركته فيها. ورغم أن نتنياهو وترامب بعيدان كل البعد عن أفكار حقوق الإنسان وموضوع الحريات المدنية، مثلما ثبت في خطة إضعاف القضاء وقمع المحتجين ضدها، ومثلما أثبت ترامب بهجوم أنصاره على الكونغرس بعد خسارته انتخابات العام 2020، إلا أنهما استغلا احتجاجات الإيرانيين مطلع العام الحالي، والتي كانت على خلفية اقتصادية بالأساس، من أجل شن الحرب على إيران.

نتنياهو، الذي تراجع الآن عن إسقاط النظام الإيراني كهدف للحرب، لا يزال يعتبر أن إسقاط النظام سينفذه الشعب الإيراني بعد أن تنهكه إسرائيل وأميركا في الحرب. وهو يطالب الإيرانيين بالنزول إلى الشوارع والتظاهر ضد النظام من أجل إسقاطه، لكن هذا لم يحدث حتى الآن، ويبدو أنه لن يحدث لاحقًا في ظل الحرب واستهدافها موارد البلاد وبنيتها التحتية. والمحتجون الإيرانيون طالبوا بتحسين الوضع الاقتصادي ولم يطالبوا بإسقاط النظام.

قبل الحرب، كان الخطر الذي يراه المحتجون الإيرانيون خطرًا اقتصاديًا وخطرًا على رفاهيتهم، وهذه نظرة شرعية بكل تأكيد، لكنهم يرون الخطر الآن، بعد الحرب الإسرائيلية – الأميركية، أنه خطر وجودي يهدد حياتهم، لأن القصف المتواصل على بلادهم لا يستهدف قادة النظام وعناصر الأمن فقط، وإنما يستهدف حياة المدنيين أيضًا، وهذا حاصل في إيران.

لقد سعى نتنياهو خلال سنوات حكمه الطويلة إلى تغيير مفاهيم إسرائيلية كثيرة. فقد كان الاعتقاد السائد في إسرائيل قبل سنين أن هجومًا أو حربًا تشنها إسرائيل على إيران ستدفع المعارضة الإيرانية إلى الالتفاف حول النظام نصرة لدولتهم وكيانهم وليس محبة بالنظام بالضرورة. وهذا ما حدث في إسرائيل بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، عندما تراجعت الاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو والتفت المعارضة حولها. وفي بداية الحرب على إيران أعلن رئيس المعارضة، يائير لبيد، أنه “نمنح دعمًا كاملًا للحكومة، لا يوجد ائتلاف أو معارضة”.

مشروعا نتنياهو في الحرب

إسرائيل ليست حركة تحرر وطني، وإنما دولة قوية جدًا، لديها جيش قوي جدًا وأقوى سلاح جو والأكثر تطورًا في المنطقة، وإلى جانب ذلك تملك ترسانة نووية لا يُستهان بها على مستوى العالم. وتدعي أنها تتخوف من هجوم مشابه لـ”طوفان الأقصى” في إحدى حدودها، لكن تكرار هجوم كهذا ليس متوقعًا، وإذا تكرر فإنه ستتحقق مقولة إنه “إذا تكررت المأساة تصبح مهزلة”.

الحرب على إيران ليست دفاعية بكل تأكيد، ليس بالنسبة لإسرائيل ولا بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة بعد الحرب في حزيران/يونيو الماضي. يرى محللون، بينهم إسرائيليون، أن ترامب يريد من هذه الحرب أن يسيطر على أكبر ما يمكن من مخزون النفط في العالم، بعد أن سيطر على نفط فنزويلا. وهذا ليس شرعيًا حتى بنظر أميركيين كثيرين. كان الاعتقاد أن ترامب كرئيس يتصرف كرجل أعمال، لكنه أثبت أنه رئيس عصابة.

بالنسبة لنتنياهو، الحرب مصلحة شخصية ويأمل بأنها ستبقيه في الحكم. حسب الاستطلاعات، تأييد الإسرائيليين للحرب مطلق وبنسبة تزيد عن 90%، شعبيته لم تتراجع أكثر مما كانت في فترة انقسام المجتمع الإسرائيلي وربما تحسنت، وهو يتفوق على جميع المرشحين كأكثر مرشح ملائم لتولي منصب رئيس الحكومة. شعبية أحزاب المعارضة مجتمعة لم تتحسن ولا تسمح لها حتى الآن بتشكيل الحكومة القادمة.

إفطار جماعي في خانيونس في ظل حرب الإباد (Getty Images)

يوجد مشروعان حاليًا. الأول هو مسعى لإصدار عفو عن نتنياهو يلغي محاكمته بتهم الفساد ضده، ويشارك ترامب شخصيًا بوقاحة لا مثيل لها في هذا المسعى، ولا يتردد في شتم الرئيس الإسرائيلي، يتسحاق هرتسوغ، بادعاء أنه يتأخر في إصدار عفو كهذا. والمشروع الثاني، عبّر عنه نتنياهو نفسه، بالقول إن الحرب على إيران ستجلب السلام، سلامًا بين إسرائيل والسعودية.

نتنياهو أعاد وزير الشؤون الاستراتيجية السابق في حكومته، رون ديرمر، إلى منصب مبعوثه الخاص وكلفه بإدارة محادثات مع لبنان. لكن شبكة CNN أفادت، يوم الأحد، بأن ديرمر زار السعودية سرًا. في اليوم التالي، الإثنين، التقى ديرمر مع أعضاء الرابطة اليهودية في نيويورك، ويبدو أنه سُئل حول زيارة السعودية، وحسب موقع “واينت” الإلكتروني، أجاب ديرمر أنه “أشعر أنني مطمئن جدًا بشأن استمرار عملية اتفاقيات أبراهام، التي كانت جارية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، لأنه توجد هندسة أمن إقليمي جديدة كاملة تتخذ شكلًا أمام أنظارنا”.

وأضاف ديرمر أن “الدول العربية تتعرض لهجوم من جانب إيران، وإسرائيل تساعد في الدفاع عنها بطرق لا يعرفها كثيرون أبدًا، لكن تلك الدول تعرفها. وهي ترى الآن إسرائيل كمن تخدم مصالحهم الأمنية في المدى البعيد. وإذا أخذنا بالحسبان أن الولايات المتحدة تريد التوجه إلى آسيا ومغادرة الشرق الأوسط في المدى البعيد، فإنني أعتقد أن ما ترونه هو بداية حلف استراتيجي جديد تمامًا وفيه إسرائيل موجودة في مركزه. وبالنسبة لي هذا يبشر جدًا بالخير”.

فيما يتعلق بلبنان، قال ديرمر إن “الخلاف حول الحدود بيننا وبين لبنان صغير جدًا. توجد 13 نقطة خلاف حول الحدود، وتم حل سبع منها. وبالإمكان التحدث حول اتفاق سلام محتمل، لكن من أجل تطبيق هذه الصفقة، يتعين على حزب الله أن يكون منزوع السلاح. ونحن لن نضحي بأمننا”.

إذا تحقق سيناريو كهذا، وخرجت إسرائيل من حرب على إيران بسلام مع السعودية، تكون قد حققت إنجازًا استراتيجيًا هائلًا، وسيُنسب الفضل في تحقيقه لنتنياهو. لكن المتضرر الأكبر سيبقى الضحية نفسها، وهي ليست إيران وإنما الفلسطينيون، الذين سيبقون تحت الاحتلال والإبادة والتطهير العرقي بدون أي حماية، مثلما لم توفر دول “اتفاقيات أبراهام” أي حماية للغزيين خلال الإبادة.

تطهير عرقي متواصل في غزة والضفة

الحرب على غزة مستمرة في ظل الحرب على إيران، وإسرائيل تقتل غزيين يوميًا، وحصيلة الإبادة بلغت 72,253 شهيدًا و171,912 جريحًا وفق معطيات وزارة الصحة في غزة. وتشير المعطيات إلى أن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل قطاع غزة انخفض بنحو 80% منذ بدء الحرب على إيران.

أفادت مستشفيات غزة بوجود نقص متزايد في المعدات الطبية، بينما حذرت وزارة الصحة في غزة من خطر انهيار أنظمة الكهرباء المعتمدة على المولدات بسبب نقص الوقود وقطع الغيار. كما حذرت منظمة الصحة العالمية من تفاقم النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.

منظمات حقوقية تفيد بأنه بعد أكثر من خمسة أشهر على وقف إطلاق النار المزعوم في قطاع غزة، لا يزال الوضع في القطاع كارثيًا. والحرب على إيران فاقمت هذه الكارثة. فقد أغلقت إسرائيل جميع المعابر إلى القطاع، وبذلك توقف كليًا إدخال البضائع والمساعدات إلى غزة. وهذه هي السنة الثالثة التي يحل فيها عيد الفطر في قطاع غزة في ظل واقع حرب مستمرة، ونزوح، وفقر مدقع.

أشار تقرير صدر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أمس، إلى أن إسرائيل تنفذ تطهيرًا عرقيًا في قطاع غزة والضفة الغربية، وسط تصاعد الهجمات وعمليات التهجير القسري التي تبدو كأنها تهدف إلى إحداث تهجير دائم للفلسطينيين في جميع أنحاء الأراضي المحتلة.

يؤكد التقرير أن قوات الأمن الإسرائيلية تمارس بشكل ممنهج، في الضفة الغربية والقدس الشرقية، القوة والاحتجاز التعسفي على نطاق واسع، والتعذيب وسوء المعاملة بحق الفلسطينيين المعتقلين، والهدم الواسع لمنازل الفلسطينيين. ويقول التقرير إن ذلك “استُخدم للتمييز الممنهج، والقمع، والسيطرة، وإخضاع الشعب الفلسطيني”. كما يشير التقرير إلى حوادث مثيرة للقلق تتعلق باستخدام قوات السلطة الفلسطينية القوة غير الضرورية أو المفرطة.

وأشار التقرير إلى “مناخ سائد من الإفلات من العقاب” على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني من قبل السلطات الإسرائيلية والمستوطنين الإرهابيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، ويؤكد أن نظام إسرائيل القضائي لم يتخذ أي خطوات ذات مغزى فيما يتعلق بالمساءلة عن هذه الانتهاكات.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=355831



إقرأ المزيد