الانتخابات الإسرائيليّة بين رهان التّغيير وثوابت الحــ.رب
لبنان بالمباشر -

Share to: Facebook Twitter Whatsapp

نادين سلام – اللواء

شهدت صناديق الاقتراع في إسرائيل، الأمس ، إقبالاً غير مسبوق منذ عقود، في انتخابات تجري على وقع تصعيد ميداني متواصل في لبنان مع عمليات الهدم والتجريف، واستمرار معاناة اكثر من خمسة آلاف فلسطيني تم تهجيرهم من الضفة الغربية، بالتزامن مع هدنة غزة الهشة وتصاعد التهديدات الإسرائيلية بشن جولة جديدة من المواجهة مع إيران، قد تكون أشد عنفاً وتدميراً. وفي ظل هذا المشهد الإقليمي المضطرب، تبدو الانتخابات الإسرائيلية أكثر من استحقاق ديمقراطي، إنها اختبار لمستقبل بنيامين نتنياهو السياسي ولمدى قدرة المجتمع الإسرائيلي على محاسبة قيادته على إخفاقاتها الأمنية والعسكرية، إلى جانب قضايا الفساد التي تلاحقها.

وتكمن إحدى أبرز دلالات الإقبال الكثيف في حجم الرغبة في التغيير والمحاسبة. فنتنياهو، أحد أطول رؤساء الحكومات بقاءً في السلطة، يواجه أسئلة ثقيلة بشأن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، وما كشفه من ثغرات أمنية هزّت صورة إسرائيل وقدرتها على حماية مجتمعها. فمن دولة اعتادت خوض حروب قصيرة وضربات عسكرية محدودة على أرض خصومها، مع الحفاظ على استقرارها الداخلي، وجدت إسرائيل نفسها عالقة في مواجهات متعددة الجبهات، من دون حسم استراتيجي واضح، فيما تتعمق أزمتها الداخلية وتتسع عزلتها الدولية بفعل حجم الدمار وسقوط مزيد من الغطاء السياسي والأخلاقي الذي تمتعت به سابقاً.

ومع ذلك، فإن التغيير في القيادة لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية. فسواء بقي اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو أو وصلت المعارضة التي يتصدرها غادي أيزنكوت إلى الحكم، يُرجّح أن تستمر الأهداف الأمنية والعسكرية الأساسية، وفي مقدمتها إضعاف حماس في غزة، وفصل المسار الغزّي عن الضفة الغربية، وتشديد الضغوط على الوجود الفلسطيني فيها، ومواصلة العمل على نزع سلاح حزب الله في لبنان. وقد يكمن الاختلاف في الوسائل والوتيرة، وفي محاولة استعادة الدعم الدولي وتخفيف كلفة العزلة، أكثر مما يكمن في مراجعة جوهر هذه السياسات.


أما داخلياً، فتشير التقديرات إلى احتمال عجز أي من المعسكرين عن تأمين أكثرية برلمانية مستقرة. وعندها قد تصبح الأحزاب العربية عاملاً حاسماً في الحسابات، رغم رفض أطراف في المعارضة التعاون معها. وقد تتراوح الخيارات بين حكومة أقلية هشة، أو ائتلاف واسع مشروط بتنحي نتنياهو، أو العودة إلى انتخابات جديدة، فيما تبقى قضايا الفساد والمساءلة عن إخفاقات السابع من تشرين الأول عناصر ضاغطة على المشهد السياسي.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن التوتر الإقليمي، بما فيه أحداث الكرك في الأردن والتطورات الأمنية على الحدود السورية، وما تثيره من مخاوف بشأن محاولات زعزعة العلاقات بين دول المنطقة واستغلال ملف دروز السويداء لتوسيع التدخل الإسرائيلي. وهي ملفات تستوجب التحقيق والتثبت من الوقائع، بعيداً عن الاستنتاجات المتسرعة، نظراً إلى خطورتها على أمن الأردن وسوريا والمنطقة بأسرها.

إن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الخطورة، لا سبيل لتجاوزها إلا بتعزيز الوحدة الوطنية، وتنسيق المواقف بين لبنان والأردن وسوريا والعراق ودول الخليج، وإعلاء منطق الدولة والقانون، وقطع الطريق أمام الفتن والتدخلات الخارجية.

ومع كل الدموية التي شهدتها المنطقة و التي تهدد اسرائيل بالمزيد منها في المستقبل القريب، نستحضر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عندما كتب في مقدمة كتابه (الاستشراق) : «النزعة الإنسانية هي المقاومة الوحيدة -بل سأذهب إلى حد القول إنها المقاومة الأخيرة- التي نمتلكها في وجه الممارسات اللاإنسانية والمظالم التي تشوه التاريخ البشري». فالأمن الحقيقي لا يُبنى على الحروب المفتوحة، ولا على إخضاع الشعوب، بل على العدالة واحترام الحقوق وصون كرامة الإنسان. فالتحدي لا يقتصر على احتواء الحروب القائمة، بل يتمثل في منع تحويلها إلى واقع دائم يعيد رسم المنطقة على حساب استقرار شعوبها وحقوقها ومستقبلها.



إقرأ المزيد