الشرع واليمن: هل يستحقّ الأمر المغامرة؟
إرتكاز نيوز -

كتب فراس الشوفي في الأخبار: 

كثرت، في الآونة الأخيرة، التسريبات الإعلامية حول احتمال انخراط الحكومة الانتقالية السورية عسكرياً في حرب اليمن، إمّا بدعم السعودية دفاعياً، أو بالقتال إلى جانب القوات المدعومة من المملكة داخل الأراضي اليمنية. وإذ عزّزت تلك التسريباتِ زيارةُ الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، إلى الرياض الأسبوع الماضي، ولقاؤه وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، وشقيقه وزير الدفاع خالد بن سلمان، وما تلاها من تأكيد موقع «أكسيوس» ووكالة «رويترز»، نقلاً عن مصادر عدّة، طلبَ الرياض من دمشق نقل ما بين 10 آلاف و20 ألف جندي سوري للمشاركة في الحرب ضدّ قوات حركة «أنصار الله» اليمنية، جاءت لتدعّمها أيضاً تسريبات جريدة «المدن» الإلكترونية القطرية، قبل أيام، والتي جزمت أن الشرع أرسل فعلاً نحو 1500 من جنوده إلى المملكة.
وكان مستشار الشرع، أحمد موفق زيدان، نفى أيَّ طلب سعودي بالتدخّل، فيما أكّد بيان صادر عن وزارة الإعلام أن «أولوية دمشق الحالية هي التعافي الداخلي وإعادة بناء البلاد، وأن أيّ تعاون عسكري يتمّ عبر القنوات الرسمية والاتفاقيات الثنائية فقط، وليس عبر فتح جبهات جديدة». وإن كان النظام سارع إلى النفي، فمن البديهي أن يرى في دعم السعودية والتدخّل لمصلحتها عسكرياً، رغم كلّ المخاطر، نافذةً للحصول على مكاسب مادّية ومعنوية، لا سيما في ظلّ شبه الانهيار الاقتصادي في سوريا، والعجز في الموازنة الذي قد يتجاوز 3 مليارات دولار، فضلاً عن ضيق الأفق والخيارات أمام السلطات الانتقالية، التي كانت توقّفت السعودية وقطر عن تقديم منحتَيهما الشهريتَين لها مع تصاعد الصراع في الخليج.

وفي حال قرّر الشرع فعلاً الانخراط في المعركة طمعاً في المكاسب المفترضة، تتقدّم كثير من الأسئلة والمقارنات حول قدرة نظامه وقواته على الانخراط فيها بشكل مؤثّر، في ظلّ الظروف المحيقة بسوريا داخلياً وخارجياً، وأوضاع النظام نفسه، فضلاً عن التباين الإقليمي والدولي، ومدى تأثير ذلك عليه في قلب البلاد.
قياساً إلى التجربة السودانية في الانخراط في القتال في اليمن إلى جانب القوات السعودية عام 2015، فإن الخرطوم تلقّت وعوداً عديدة في مقابل هذا الدور الذي تطلّب منها الزجّ بأربعين ألف جندي في ذروة التحشيد؛ إذ إن الرياض تعهّدت لحكومة عمر البشير آنذاك بوديعة بمليار دولار، وبتحويل الهِبة العسكرية البالغة 3 مليارات دولار، التي كانت المملكة قد أعلنتها لتسليح الجيش اللبناني ثمّ جمّدتها، إلى الجيش السوداني، إضافةً إلى وعود أخرى بتقديم حزم مشاريع اقتصادية وإنمائية. إلا أن مصير هذه الوعود بقي غامضاً، رغم أن أوضاع السعودية المالية في تلك المدة كانت أفضل بكثير منها اليوم، بينما كلّ ما دُفع هو رواتب وصل أقصاها إلى 530 دولاراً للمقاتل السوداني المتمرّس. وهكذا، لم تصل أموال الدعم إلى السودان، فيما خسر البشير الكثير من قواته وساءت علاقاته الدولية أكثر، من دون تحقيق أيّ مكاسب. وبعد سقوطه في نيسان 2019، سارعت الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك إلى خفض عديد القوات في اليمن ليصل إلى 5000 في كانون الأول 2019، ثمّ في كانون الثاني 2020 إلى 657، لم تشمل مهامّهم الإسناد القتالي المباشر؛ علماً أن هذا التغيير جاء في إطار السعي إلى الحصول على انفتاح دولي، في ظلّ المزاج الدولي المعارض للحرب وقتذاك.

عملياً، ورغم العديد المرتفع للقوات السودانية والمشاركة الرسمية المبكرة للسودان في حرب اليمن منذ 2015، جواً ثمّ برّاً اعتباراً من تشرين الأول من العام نفسه، فإنّها لم تتمكّن من تحقيق أيّ إنجاز استراتيجي، لأسباب كثيرة، أبرزها افتقار قواتها إلى التدريب والمهارات والأسلحة. واليوم أيضاً، لا تفتقر المملكة إلى قوات برّية فوضوية، إنما إلى قوات برّية مقاتلة مدرّبة تملك مهارات أفضل من التشكيلات اليمنية الحليفة لها، وتستطيع مواكبة قوتها الجوية والمدفعية بأعداد كبيرة، بما يتيح إحداث تغيير حقيقي في مسار القتال ضدّ القوات التابعة لصنعاء. وهنا، سيكون على الحكومة السورية الانتقالية إرسال ما لا يقلّ عن 30 ألفاً أو أكثر من قوات «هيئة تحرير الشام» للقتال في الصحراء اليمنية، من مختلف الفصائل السابقة والفرق الحالية، ومن ضمنها المقاتلون الأجانب. وهذا يعني أن الشرع سيفقد قوته الوحيدة المقاتلة في حال التزمت الفصائل الموالية له بالانتقال إلى اليمن، فيما مغادرة الأجانب دونها الكثير من المطبّات. فهؤلاء فقدوا الثقة بالحكومة الحالية بعد تكرار حوادث المواجهة معها، وهم يشعرون بأن السلطة اتخذت قراراً بالتخلص منهم لتنفيذ وعودها الخارجية، عدا عن أن حركة «أنصار الله» على علاقة جيدة مع «حركة الشباب» في الصومال التي ترتبط بدورها بتنظيم «القاعدة»، الذي لا يزال على ارتباط وثيق بالكثير من المقاتلين الأجانب والسوريين.
وفي المجمل، ليس واضحاً ما إذا كان في مقدور الشرع إقناع قادة الجيش الحالي وأمراء «تحرير الشام» السوريين بصوابية المعركة وفرص نجاحها، وبترك البلاد والتوجّه إلى معركة على بعد 2500 كلم من دمشق، من أجل مبالغ زهيدة، بينما إسرائيل تتقدّم في الجنوب السوري، وتنظيم «داعش» يتحرّك بشكل علني في مناطق عدّة، والتوتّرات والحوادث الأمنية لا تُعدّ ولا تُحصى. وبعكس حكومة البشير، فإن انخراط الشرع في الحرب قد يُلقي على عاتقه ضغوطاً دولية هو في غنىً عنها. كما إنه لا يمكن مقارنة احتمال انخراط سوريا الآن في الحرب في اليمن، بالتجربة السورية في المشاركة في عملية «عاصفة الصحراء» ضدّ نظام الرئيس صدام حسين إبان غزو الكويت. فسوريا في ذلك الوقت، شاركت في المعركة تحت عنوان الدفاع عن الكويت، وبغطاء من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 678 في تشرين الثاني 1990، والقاضي باستخدام كلّ الخيارات الضرورية لإجبار العراق على الانسحاب من الأراضي الكويتية. كما أنها شاركت بفرقة واحدة ولواء قوات خاصة من أصل 15 فرقة، أي أقلّ من 5% من عديد الجيش وقتها. وبحسب أكثر من مرجع، فإن القوات السورية لم تشتبك مطلقاً مع القوات العراقية، إنما بقيت في الأراضي السعودية، ولم يدخل بعضها إلى الكويت إلا بعد خروج القوات العراقية. يضاف إلى ما تقدّم، أن سوريا أدت دوراً تفاوضياً مع صدام حسين لإقناعه بالانسحاب، استمرّ حتى الساعات الأخيرة قبيل هجوم «التحالف الدولي» على بغداد، فيما كان المطلوب منها أميركياً الغطاء السياسي العربي فعلياً أكثر من الانخراط في القتال، وذلك على عكس حال الشرع اليوم المطلوب من قواته القتال البري المباشر. أيضاً، خرجت سوريا بمكاسب سياسية كبيرة بعد حرب الكويت، منها حسم الملف اللبناني لصالحها وتهدئة العدوانية الغربية تجاهها بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، فضلاً عن الدعم الأميركي لها في مسار المفاوضات مع إسرائيل، خصوصاً عبر مؤتمر مدريد. وفي المقابل، يفاخر دونالد ترامب اليوم، أمام صمت الشرع، بأنه الرئيس الأميركي الوحيد الذي اعترف بـ«سيادة» إسرائيل على الجولان، من دون أن ينجح في إقناع الأخيرة بالتوقف عن التوغل في الجنوب السوري.

إقليمياً، يُطرح تساؤل عمّا إذا كان انخراط الشرع في معركة اليمن، سيدفع إيران وحلفاءها إلى تغيير موقفهم تجاهه. فإيران و«حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية لا تقوم بأعمال معادية ضدّ نظام الشرع، بل على العكس من ذلك تعوّل على الوساطة التركية لتطوير العلاقات معه، وهي بالتالي لا تدعم أيّ تحركات أمنية أو عسكرية ضدّه، انطلاقاً من لبنان أو العراق. كما أن الفصائل العراقية تسهّل نقل النفط العراقي إلى الداخل السوري، فيما تتعاون الأجهزة الأمنية التابعة لبغداد مع دمشق. إلا أن كل ذلك قد يتبدّل في حال قيام الشرع بالتدخل في اليمن، بما يعني الانقلاب في موقف إيران وحلفائها تجاه حكومته. كما يحضر تساؤل هنا عمّا إذا كانت إيران ستعتبر نقل النفط العراقي عبر سوريا محاولة لإضعاف قبضتها على مضيق هرمز، وأنه لن يعود ثمّة مبرّر للصمت على تلك المحاولة، وهذا ما قد يحرم دمشق من بضعة عشرات الملايين من الدولارات شهرياً، باتت الحاجة إليها اليوم أشدّ من أي وقت مضى.

أيضاً، لا تُغفل التساؤلات حول حقيقة الموقف التركي من مشاركة الشرع في اليمن، وفهم أنقرة لاتفاق «حلف مكة» نفسه. فرغم وجود تكهّنات حول تفضيل أنقرة الاستعاضة عن تدخلها لصالح السعودية بتدخل الشرع، إلا أن تركيا تدرك جيداً وضع النظام الحالي ومدى قدرته على تحمّل مهام من هذا النوع. وفي الأساس، لم تُظهر أنقرة أيّ حماس لتقديم دعم مباشر للرياض في معركتها مع قوات صنعاء، وذلك رغم توقيع «اتفاق مكة»، الذي يتعرّض لانتقادات وتشكيك في الصحافة الغربية حول جدواه. والراجح، أن تركيا ترى في الحرب فرصة لتعزيز صادراتها الدفاعية بالدرجة الأولى، وليس لاستنزاف قواتها على الأرض، خصوصاً أن تجربة الانخراط العسكري المحدود في الشمال السوري، ضدّ النظام السوري السابق، أظهرت عدم تقبّل الرأي العام التركي لتكبّد خسائر في الأرواح جنوبي البلاد، ناهيك عن أن يتقبّلوا خسائر عند باب المندب. كما أن أنقرة، التي تملك نفوذاً في القرن الأفريقي لا سيما في جيبوتي والصومال، تتقاطع مع صنعاء في العداء لانفصاليّي أرض الصومال، المدعومين من إسرائيل، وهي تفضّل في العمق، الحوار المباشر أو عبر إيران أو عمان مع اليمنيين لتهدئة الصراع، بدل إذكائه بإدخال قوات سورية إلى اليمن.
يبقى أن إسرائيل، ستكون الجهة الوحيدة التي لا تمانع دخول الشرع في معركة اليمن، بل ستجد فيه فرصة مهمة لاستمرار التقدّم نحو دمشق وجني المكاسب من تصاعد التوتر المذهبي في الإقليم، من المحيط إلى الخليج. فهل يستحق الأمر المغامرة؟



إقرأ المزيد