لبنان بالمباشر - 10/14/2026 8:17:49 AM - GMT (+2 )
فراس خليفة – الاخبار
حتّى آخر بيتٍ فيها، يواصل الاحتلال الإسرائيلي جريمة التدمير الممنهج في بلدة المنصوري (قضاء صور)، على مرأى من أهلها، وتحت أنظار «الدولة» التي عجزت عن حماية مواطنيها والدفاع عن أرضهم. وعلى مدى ثلاثة أشهر متواصلة من التفجيرات اليومية والغارات الجوية وأعمال القصف المدفعي، كانت معالم البلدة تتبدّل تباعاً. المنصوري، تلك البلدة الجميلة القائمة على منحدر يشرف على البحر، بدت أخيراً كطبقاتٍ من الركام، تشهد على نكبة البيوت والناس، وعلى دورة حياة كاملة كانت تجري فصولها هنا.
على طريق الحنّية، كانت كاميرا مثبّتة توثّق مشهداً تكرّر كثيراً: غمامة هائلة من الدخان تعلو المنصوري، إثر تفجير ضخم، حتى تكاد تبتلع نصف مساحة البلدة. وما إن ينقشع الدخان حتى تنكشف عشرات المنازل التي سُوّيت بالأرض في تفجيرات سابقة، على امتداد الأسابيع الماضية. لم يكن طريق الحنّية، يوماً على هذه الصورة. فالطريق الذي تظلّله أشجار الصنوبر والسرو، والذي لطالما وُصف بأنه أحد أجمل مداخل القرى الجنوبية، تحوّل خلال الشهرين الماضيين إلى «منصّة» للمُتفرِّجين ،من أبناء المنصوري، على نكبة بيوتهم وبلدتهم الواقعة على الجهة المقابلة.
وحتى نهاية أيلول الماضي، بلغ معدّل التفجيرات نحو عشرين تفجيراً يومياً، فيما سُجّل الرقم الأعلى في يوم واحد، مع 54 تفجيراً، بالتوازي مع الغارات الجوية والقصف المدفعي المتواصل. ولم يعد السؤال بين الأهالي عن عدد المنازل التي نُسفت أو دُمّرت، بل عمّا تبقّى منها؛ إذ لم يعد في البلدة سوى أقل من عشرين منزلاً، من أصل نحو 1200 وحدة سكنية.وعلى خلاف الرواية الإسرائيلية التي أعلنت في 28 أيلول الماضي انتهاء «عملية عسكرية واسعة» في المنصوري، كشفت الوقائع عن عملية محو شاملة لمعالم البلدة. لم يقتصر التدمير على المنازل، بل طاول أيضاً منشآت مدنية وشبكات الكهرباء والمياه، وخزّان المياه والبئرين الرئيسيين، فضلاً عن المؤسسات الصحية والتعليمية وأماكن العبادة. كذلك، لحقت أضرار جسيمة بالأراضي الزراعية والمساحات الخضراء، في ما بدا أنه عملية اجتثاث لموارد الحياة واقتصاد السكان المحليين، في نموذج فاقع لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها «إسرائيل» في السنوات الثلاث الماضية.
«سقوط القلعة»
حتى ما قبل تدمير مبنى المدرسة الرسمية، ظلّت صونيا عبد الهادي تقول إن شيئاً من ملامح المنصوري لا يزال قائماً. لكن تفجير الاحتلال للمدرسة، في النصف الأول من أيلول الماضي، شكّل بالنسبة إليها «سقوط القلعة التي إذا سقطت، سقط معها كل شيء».لن تنسى عبد الهادي، المولودة عام 1968، تلك اللحظات التي شاهدت فيها بأمّ العين محلّقة إسرائيلية تلقي مواد متفجرة على سطح المدرسة، قبل أن يُدمَّر الجزء الأكبر من المبنى في اليوم نفسه. وفي اليوم التالي، لم يكن صعباً على «المديرة» أن تحدّد موقع المدرسة المدمّرة، مستعينةً بشجرة الكينا العملاقة التي كانت تنتصب إلى الغرب منها.
تعود حكاية صونيا عبد الهادي مع مدرسة المنصوري إلى نحو أربعين عاماً. تلقّت فيها جزءاً من تعليمها، ثم أمضت سنوات طويلة في التدريس، قبل أن تصبح ناظرة، وصولاً إلى تولّي الإدارة بالتكليف بعد استشهاد المدير السابق محمد شويخ. لذلك، لم تكن المدرسة بالنسبة إليها مجرد مبنى، بل «البيت الثاني والعائلة الكبيرة الحقيقية التي أحفظ كل تفصيل فيها».قبل أيام، حصلت عبد الهادي على موافقة وزارة التربية على طلب كانت قد تقدّمت به إلى الوزيرة، للإذن بالتدريس مؤقتاً في مبنى تابع لمدرسة رسمية في منطقة «المساكن»، قرب صور. وخلال المدة الماضية، بقيت على تواصل دائم مع الأهالي، وبدأت التعليم عن بُعد بانتظار حلّ «المشكلة». كذلك، تمكّنت، بفضل تبرعات من أصحاب «الأيادي البيضاء»، من تأمين نقل مجاني للطلاب خلال الأشهر الأولى من العام الدراسي، فور انطلاقه. تقول عبد الهادي: «نبذل أقصى ما في وسعنا كي لا يخسر الطلاب عامهم الدراسي الحالي، على أمل أن نعود جميعاً إلى المنصوري العام المقبل».
العدو «يتفنّن» في قتلناعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، كتب الجنوبيون كثيراً عن بيوتهم التي دُمّرت ونُسفت، فهذه البيوت، كما تقول سكينة عقيل، «هي كل ما اختزنته الجدران من ذكريات: لمّات العائلة، أصوات الأحبّة، تفاصيل الطفولة، الجيران، المناسبات، والأيام العادية التي لم نكن نعرف أنّها ستصبح يوماً ذكريات نشتاق إليها».نشأت عقيل وعاشت في المنصوري، البلدة التي «أفتخر بالانتماء إليها وإلى ناسها الطيبين». وترى أن خسارة البيت «ليست خسارة مكان نسكن فيه فحسب، بل خسارة جزء من الذاكرة والانتماء والأمان، وخسارة مكان كان يجمعنا بمن نحب».
لكن عقيل، الاختصاصية النفسية، ترى أن العدو «يتفنّن» أيضاً في قتلنا نفسياً، عبر تدمير المنصوري أمام أعيننا، «نحن بعيدون عنها وغير قادرين على حمايتها». وتلفت إلى أن «المشاهدة اليومية للتفجيرات والتجريف والدمار تُبقي الإنسان في حال من التوتر والترقّب المستمرين، وقد تخلّف مشاعر الخوف والقلق والعجز والحزن والغضب، فضلاً عن آثار مرتبطة بالصدمة، مثل اضطرابات النوم، وفرط اليقظة، واستحضار مشاهد الدمار بصورة متكررة. وهذا النوع من الفقد لا ينتهي بانتهاء القصف، إذ يبقى الإنسان مثقلاً بالخوف والذكريات والأسئلة عن مصير المكان وإمكان العودة إليه. فالدمار لا يطاول البيوت وحدها، بل يمتد إلى الشعور بالأمان وإلى الصلة التي تربط الناس بأرضهم وذاكرتهم». ورغم المصير المجهول والظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها نازحو المنصوري وسائر القرى المدمّرة والمحتلّة، تؤكد عقيل أنّ «أهل الجنوب ما اعتادوا العيش دون مقاومة. المقاومة، هي الحياة والأمل في عودة الأرض».
ما شهده أبناء المنصوري في الأشهر الأخيرة سيبقى «ندبة في الروح والقلب» لسنوات طويلة. لم يكن التهجير وتدمير البلدة وحدهما ما آلمهم، بل شعورهم بالخذلان أيضاً من دولة لم تكلّف نفسها عناء إصدار بيان واحد بشأن ما حلّ بالمنصوري.ورغم حجم الدمار وثقل النزوح وتبعاته، يتمسّك أبناء البلدة بإرادة إعادة بنائها، كما فعل أجدادهم قبل نحو 140 عاماً. يومها، كانت عائلة شويخ أول من قدم إلى هذه الأرض، التي يُرجّح أنها سُمّيت بالمنصوري نسبةً إلى «الولي الصالح» إبراهيم بن أدهم المنصور، المدفون فيها، والذي دُمّر مقامه في التفجيرات الأخيرة.
في عام 1885، بدأ محمد علي شويخ ووالده، إلى جانب آخرين من آل خشاب، شقّ بعض الطرقات وتشييد بيوت صغيرة تشبه الأكواخ الطينية. ومع مرور الوقت، أخذت القرية تتشكّل وتتوسّع، بفضل «تعب أبنائها وأشغالهم الزراعية البسيطة».ولسنوات طويلة، اعتمد اقتصاد المنصوري أساساً على الزراعة، ولا سيما الحمضيات، قبل أن تتوسّع زراعاتها في السنوات الأخيرة لتشمل الأفوكا والقشطة وغيرها. وكان للمغتربين دور فاعل في دعم أبناء البلدة والمساهمة في إنشاء عدد من المرافق الخدمية الأساسية أيضاً.
ولطالما تميّزت المنصوري بمتانة الروابط الاجتماعية بين أبنائها المعروفين بتعلّقهم الشديد بقريتهم وتكافلهم في الأزمات. لكنهم يدركون اليوم أن ما يواجهونه لا يشبه أي مرحلة سابقة في تاريخ البلدة. فالمهمة التي تنتظر عائلات مديحلي وخشاب وزبد وحرب وعمار وشويخ وسرور، وسائر عائلات المنصوري، تتجاوز هذه المرة إعادة بناء مدرسة أو مستوصف؛ إنها مهمة إعادة بناء بلدة كاملة، من حجارتها إلى تفاصيل الحياة فيها.
«أعمدة الجمال التي تتهاوى أمام أعيننا»يعزّ على فاروق شويخ، «عاشق المنصوري»، أن ينظر كل يوم إلى بلدته، فيرى «أعمدة الجمال والحنين وجدران التراث تتهاوى أمام عيني». فالمنصوري، «شأنها شأن أخواتها من القرى الموزّعة كالنجمات على تلال جبل عامل، حيث في كل بيت عاشق لقلم، أو طامح لسيف، أو طالب لعلم، نرى هذه القرية الطيّبة تتهاوى أمام أعيننا ولا نملك حولاً ولا قوة إلا أنّ نُذهِّب أجفاننا بنظرات أخيرة لا نملك غيرها، فيما الكثير من الناظرين والمعنيين والمسؤولين ينظرون ويراقبون ويتفرّجون».ومشهد المنصوري المؤلم «يفعل في النفس ما تفعله النار في أكوام القش»، كما يقول شويخ، الذي لم تسلم منازل عائلته من التدمير، شأنها شأن بيوت أبناء قريته. «بيت الأهل الكبير الذي قضينا فيه أربعين عاماً ونيّفاً، وكان أخي الشهيد محمد (مدير المدرسة الرسمية السابق) يسكن في إحدى طبقاته، أصبح أثراً بعد عين، والبيت الذي وُلِدتُ فيه وورثناه عن جدّتي، رأيته يهدم ويتهاوى أمام ناظريَّ». بالنسبة لفاروق شويخ، فإنّ البيت، كلّ بيت في المنصوري، «ليس مجرَّد حجارة مرصوفة بل موئل للذاكرة التي عشّشت فينا ونبتت كشجرة توزّع أغصان الحنين في كل مكان».
إقرأ المزيد


