لغز «نصف الطن» في ضهر البيدر: بين التحقيق القضائي شبح الاغتــــ.يالات واختبار السيادة
لبنان بالمباشر -

Share to: Facebook Twitter Whatsapp

زياد سامي عيتاني – اللواء

لم تكن سيارة «دودج» التي أوقفها عناصر قوى الأمن الداخلي على طريق البقاع – بيروت مجرد ضبطية عابرة؛ بل تحوّلت الواقعة إلى قضية مفصلية أمنياً، قضائياً وسياسياً، تضع مدى جدّية الدولة اللبنانية في تطبيق قرار حصر السلاح ومؤسساتها الشرعية أمام اختبار حقيقي وغير مسبوق.

• واقعة ضهر البيدر والتضارب في حجم الشحنةاشتبه عناصر حاجز ضهر البيدر التابع لقوى الأمن الداخلي الشريان الاستراتيجي الأهم الواصل بين البقاع والعاصمة بمركبة كانت تسلك الطريق باتجاه بيروت. وعند التفتيش الدقيق، عُثر على كميات ضخمة من المواد شديدة الانفجار، أُحيل على أثرها الموقوفان والمضبوطات فوراً إلى جهاز الشرطة العسكرية.

– تباين الأرقام وطبيعة المضبوطات: سادت حالة من التباين في المصادر الأمنية حول الحجم الدقيق للشحنة. ففي حين أشارت التقارير القضائية الأولى إلى أن الحمولة بلغت نحو 500 كيلوغرام (موزعة مناصفة بين 250 كغم من مادة الـTNT ومثلها من مادة الـC4)، تحدثت مصادر أخرى عن أرقام أكبر تتراوح بين 780 و800 كيلوغرام تضم مواد إضافية كـ«التتريل».

– مكونات خطيرة ووجهة محددة: أضافت مصادر أمنية تفصيلاً بوجود مسامير وكرات معدنية مع الشحنة، متحدثة عن أن الوجهة النهائية للمواد كانت الضاحية الجنوبية لبيروت لتسليمها لشخص يُعرف باسم «ذو الفقار».- هوية الموقوفين: جرى توقيف شخصين («هـ. أ» من البقاع الأوسط، و«ع. ك» من بعلبك)، وأفادت معطيات قضائية بأن أحدهما ابن مسؤول في «حزب الله».• شبح الاغتيالات.. هل كانت الشحنة مهيّأة للتصفية؟أحيت طبيعة الشحنة المضبوطة وتفاصيل تركيبتها الهندسية هواجس العودة إلى مظلمة «حقبة الاغتيالات السياسية».

ورغم أن الشبهات ما زالت في إطار التحريات، إلّا أن التقارير الأمنية والقراءات الاستخبارية توقفت بجدية عند احتمالية أن تكون هذه المواد أُعدّت لتنفيذ عملية اغتيال أو استهداف نوعي لشخصيات سياسية، عسكرية، أو أمنية داخل العاصمة:- دلالة الكرات المعدنية: يُعدّ احتواء الشحنة على مسامير وكرات معدنية أسلوباً تقنياً لوجستياً تقليدياً مستخدماً في تركيب العبوات الموجهة التي تستهدف السيارات المصفحة أو المواكب بهدف إيقاع أكبر قدر من الخسائر المباشرة.

– شحنة لا تناسب العمل الميداني العادي: رأى خبراء أن نقل هذه الكميات النوعية والشديدة الانفجار إلى بيروت الكبرى يرجح فرضية التجهيز لعمل أمني استباقي في لحظة احتدام التوتر السياسي.- الربط بالتحقيقات الفنية: يُشدّد القضاء العسكري على أن حسم فرضية «مخطط الاغتيال» يظل رهن الأدلة الجنائية؛ وفي مقدمتها تحليل داتا الاتصالات وتتبع السجلات الإلكترونية اللهواتف وحركة المركبة قبل وصولها إلى الحاجز.

• مسار التحقيق القضائي وسلسلة الإمداديتولى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم الإشراف المباشر على الملف؛ حيث وجه تكليفاً حازماً بتوسيع دائرة التحرّي لتشمل كل من هرّب وشحن وخزّن هذه المواد، والتعرف على الهويات الحقيقية للشخصيات المذكورة بأسماء حركية مثل «ساجد» و«ذو الفقار».

وفي ظل خطورة الشحنة القادرة على تدمير حيّ كامل، جرى التداول ببحث إحالة القضية إلى المجلس العدلي بناءً على اقتراح وزير العدل. كما تركزت التحقيقات على أن مصدر المواد يعود إلى مخازن ومنشآت عسكرية سابقة في المناطق السورية المحاذية للحدود الشرقية.

• موقف السلطة التنفيذية ووزارة العدل

أحدثت القضية تحرّكاً رسمياً صارماً على أعلى المستويات:- رئيس الحكومة نواف سلام: أكد سلام خلال جلسة مجلس الوزراء أنه «لا مجال للتساهل أو التغاضي، وأن الحقيقة والمساءلة هما الطريق»، مشدّداً على مواجهة أي سلاح يتجاوز إطار الشرعية بحزم.- وزير العدل عادل نصار: أطلق نصار موقفاً قاطعاً جازماً فيه بأن «نزع السلاح غير الشرعي ومكافحة الإرهاب وملاحقة المخالفين للقانون مسار لا رجعة فيه وسيتسارع في المرحلة المقبلة»، متعهداً بتمشية التحقيق بجميع فروعه إلى خواتيمه دون أي إبطاء.

• مواقف حزب الله وتجاذبات الاسترداد والسجال السياسي

أثارت الحادثة سجالاً واسعاً؛ فبينما لم يصدر عن حزب الله بيان رسمي مفصّل، ردّ النائب إبراهيم الموسوي على التلميحات التي تربط الحزب بالمخططات، متمسّكاً بـ«حق المقاومة في الدفاع عن نفسها». في المقابل، كشفت مصادر أمنية عن وجود مساعٍ وضغوط من جانب الحزب لاستعادة المتفجرات بحجة الحاجة إليها جنوباً، إلا أن أوساطاً أمنية رسمية أكدت التعامل مع الشحنة كمخالفة صريحة للقانون ورفض تسليمها.

• السياق الأوسع وضبط الحدود

تأتي واقعة ضهر البيدر كحلقة ضمن مسار حصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، حيث سبق ذلك بأيام إعلان الجيش إحباط تهريب نحو 245 كيلوغراماً من الـTNT وعبوات وصواعق عبر الحدود السورية، إلى جانب الترتيبات المرتقبة لوصول بعثة أمنية أوروبية لدعم الأجهزة الأمنية.الخلاصة: امتحان سيادي واختبار للدولةتطرح شحنة ضهر البيدر أسئلة جوهرية تنتظر إجابات قاطعة من القضاء العسكري: من أصدر أمر النقل؟ ومن كان ينتظر هذه الشحنة المحشوة بالكرات المعدنية؟

وحتى صدور القرار الاتهامي الرسمي، تبقى المعطيات في إطار التحقيقات الأولية. إلّا أن الاختبار الأعمق يبقى سياسياً ومؤسساتياً: هل تنتقل الدولة من إعلان القرارات إلى ملاحقة جادّة تصل إلى المخططين والمنفذين الحقيقيين، وتثبت عملياً أنه لا توجد أي حصانة تعلو فوق سيادة القانون؟



إقرأ المزيد