لبنان بين الدولة والساحة: مفاوضات على حافة السيادة
إرتكاز نيوز -

كتب جو رحال في نداء الوطن: 

لم تكن العلاقة بين لبنان وإسرائيل يومًا مسارًا تفاوضيًا طبيعيًا أو مستمرًا، بل بقيت محكومة بمنطق الصراع المفتوح، حيث جاءت المفاوضات في لحظات استثنائية فرضتها الحروب أو الضغوط الدولية. وعند التدقيق في المسار التاريخي، يمكن حصر محاولات التفاوض أو الترتيبات السياسية – الأمنية بين الطرفين في ثلاث محطات رئيسية، ما يعكس طبيعة هذا النزاع المعقّد وحدود إمكانات الحل فيه.

المحطة الأولى تعود إلى عام 1949، مع توقيع اتفاقية الهدنة برعاية الأمم المتحدة، التي أنهت الأعمال العسكرية رسميًا بعد حرب 1948 دون أن تؤسس لسلام دائم. فقد بقيت هذه الاتفاقية إطارًا تقنيًا لضبط الحدود ووقف إطلاق النار، وشكّلت مرجعًا قانونيًا للعلاقة بين البلدين لعقود، من دون أن تتحول إلى مسار سياسي فعلي.

أما المحطة الثانية فجاءت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حيث دخل الطرفان في مفاوضات مباشرة أدت إلى توقيع اتفاق 17 أيار 1983، وهو أقرب محاولة لاتفاق سلام. إلا أن هذا الاتفاق سقط سريعًا نتيجة الانقسام الداخلي اللبناني والرفض الإقليمي، لا سيما السوري، وأُلغي رسميًا، ما كرّس قاعدة أساسية مفادها أن أي تفاوض لا يستند إلى قرار سيادي لبناني جامع وتوازن إقليمي واضح محكوم بالفشل.

المحطة الثالثة، وهي الأهم في السياق الحديث، تمثلت في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية عام 2022، والتي شكّلت سابقة نوعية إذ نجح لبنان في تحقيق اتفاق تقني يحفظ جزءًا أساسيًا من حقوقه الاقتصادية من دون الدخول في مسار تطبيع سياسي مباشر. وقد عكس هذا الاتفاق مقاربة جديدة قائمة على الواقعية السياسية وإدارة المصالح بدل الشعارات، وفتح الباب أمام نمط تفاوضي غير مباشر يمكن البناء عليه في ملفات أخرى.

إلى جانب هذه المحطات، شهدت المرحلة الأخيرة تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، أبرزها تصاعد المواجهات في الجنوب وتزايد الضغوط الدولية لمنع توسع الحرب، حيث تكررت الدعوات الدولية لتطبيق القرار 1701 بشكل كامل باعتباره الإطار الأكثر واقعية لضبط الحدود ووقف التصعيد، في مقابل استمرار حالة الاشتباك المفتوح على إيقاع التوازنات الإقليمية.

غير أن فهم هذا المسار التفاوضي لا يكتمل من دون التوقف عند المعضلة الأساسية التي تحكمه، وهي موقع “حزب الله” في معادلة الصراع. فالحزب لا يُعدّ مجرد فاعل لبناني داخلي، بل يشكّل جزءًا من منظومة إقليمية مرتبطة بإيران، ما يجعل أي تفاوض بين لبنان وإسرائيل يتجاوز كونه ملفًا ثنائيًا ليصبح جزءًا من صراع أوسع. هذه الازدواجية تضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ بنيوي: فهي من جهة مطالبة بالتفاوض كدولة ذات سيادة، ومن جهة أخرى مقيدة بواقع وجود قوة عسكرية خارج إطارها الكامل.

بالنسبة لإسرائيل، يشكّل “حزب الله” التهديد الأمني الأول على حدودها الشمالية، ما يدفعها إلى ربط أي تسوية بترتيبات أمنية صارمة تتعلق بسلاحه وانتشاره. أما بالنسبة للحزب، فإن الصراع مع إسرائيل يتجاوز البعد اللبناني إلى بعد عقائدي واستراتيجي مرتبط بمحور إقليمي، ما يجعل أي تنازل في هذا السياق مكلفًا على مستوى هويته ودوره. وبين هذين المنطقين، تجد الدولة اللبنانية نفسها في موقع الوسيط الضعيف داخل معادلة لا تملك كامل أدوات التحكم بها.

في هذا السياق، يبرز عهد الرئيس جوزاف عون بوصفه لحظة مفصلية مختلفة، حيث تقوم المقاربة الحالية على إعادة تثبيت دور الدولة كمظلة وحيدة للقرار السيادي، والسعي لربط أي مسار تفاوضي بالمؤسسات الشرعية. كما أن إدخال بعد مدني–سياسي إلى جانب البعد العسكري في إدارة هذا الملف يشير إلى محاولة نقل النقاش من منطق السلاح إلى منطق الدولة.

الاختلاف هذه المرة لا يقتصر على الشكل، بل يطال الجوهر. فلبنان يعيش إرهاقًا داخليًا غير مسبوق نتيجة الانهيار الاقتصادي، فيما تتزايد الضغوط الدولية لمنع انزلاقه إلى حرب شاملة، بالتوازي مع تحولات إقليمية تفرض مقاربات أكثر براغماتية. والأهم أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة باتت تُطرح كعنصر أساسي في أي تسوية محتملة، ما يضع معضلة “حزب الله” في صلب أي حل، لا على هامشه.

مع ذلك، لا يمكن اختزال الخيارات بالمفاوضات المباشرة فقط. فهناك مسارات بديلة، أبرزها تثبيت وقف إطلاق النار عبر تطبيق القرار 1701، أو الاستمرار في التفاهمات غير المباشرة، أو إدارة النزاع بدل حله. إلا أن هذه الخيارات تبقى مؤقتة، لأنها لا تعالج جوهر المشكلة المرتبطة بازدواجية القرار السيادي في لبنان.

في المحصلة، يظهر أن التفاوض بين لبنان وإسرائيل ليس مجرد مسار سياسي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها. فالمشكلة لم تكن يومًا في غياب فرص التفاوض، بل في غياب شروطه. واليوم، يقف لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن ينجح في فرض نفسه كدولة تفاوض من موقع السيادة، أو أن يبقى ساحة يتقاطع فوقها صراع الآخرين.



إقرأ المزيد