آيم-لبنانون - 3/13/2026 4:19:05 AM - GMT (+2 )
كتب مايز عبيد في “نداء الوطن”:
عادت السوق السوداء لتفرض حضورها بقوة على معظم القطاعات، ولا سيما تلك المرتبطة بحاجات المواطن اليومية، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان، مرحلة الاضطرابات التي رافقت اندلاع الثورة وما تلاها من فوضى اقتصادية ومالية، انعكست على مختلف جوانب الحياة.
لا صوت يعلو فوق صوت أنين المواطن، فالذي لم تكوه الحرب وويلاتها يتكفل سوء الأوضاع المعيشية وغياب أجهزة الدولة بأمره. اليوم، يبدو أن الأسواق في الشمال تعيش نسخة جديدة من تلك المرحلة، حيث الأسعار بلا ضوابط واضحة، والسلع الأساسية عرضة للتلاعب، فيما يقف المواطن مرة أخرى في مواجهة سوق متفلت تغيب عنه الرقابة الرسمية بالكامل.
في السوبرماركت، تبدو الأسعار وكأنها تتحرك وفق مزاج التجّار لا وفق معايير واضحة. السلع الأساسية التي تشكّل جزءًا من حياة الناس اليومية ارتفعت بشكل ملحوظ، وبعضها يتبدّل سعره أكثر من مرة خلال أيام قليلة. وبين متجرٍ وآخر، قد يجد المستهلك فارقًا كبيرًا في الأسعار لنفس السلعة، ما يعكس حالة من الفوضى وعدم الالتزام بأي تسعير واضح.
أما في ملف المحروقات، فالصورة ليست أفضل حالًا. أسعار المازوت والغاز والبنزين تشهد ارتفاعات متتالية، وغالبًا ما تُضاف إليها بدلات غير مبررة تحت عناوين مختلفة. كما يشتكي المواطنون من تأخر في التسليم أو نقص مصطنع في الكميات، ما يفتح الباب أمام ممارسات احتكارية تستغل حاجة الناس، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
ولا يقتصر الأمر على الأسعار المرتفعة فحسب، بل يتعداه إلى مظاهر احتكار واضحة في بعض القطاعات. فبعض التجار يعمدون إلى تخزين السلع أو تقليل عرضها في السوق بانتظار رفع الأسعار وتحقيق أرباح إضافية، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
ويشير مواطنون تحدثوا لـ “نداء الوطن” إلى أن جزءًا كبيرًا من احتياجاتهم الأساسية بات يُباع عمليًا في السوق السوداء، سواء في ما يتعلّق بالمحروقات أو بعض السلع الأساسية، حيث تُطرح بأسعار أعلى من السعر المتداول مستفيدة من غياب الرقابة ومن حاجة الناس الملحّة لتأمين متطلباتهم اليومية. فقارورة الغاز الـ 10 كيلو تباع في الأيام الأخيرة بـ مليونين و500 ألف ليرة لبنانية، وهو ما يعادل ضعفي سعرها الرسمي تقريبًا.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن ضغط النزوح المتزايد نحو مناطق الشمال، حيث أدى توافد أعداد كبيرة من العائلات النازحة إلى ارتفاع الطلب على السلع والخدمات، ما انعكس بدوره على الأسعار. كما تسبب هذا الواقع بزحمة خانقة على الطرقات وضغط إضافي على البُنى التحتية الضعيفة أساسًا، ولا سيما شبكات الكهرباء والطرقات التي لم تعد قادرة على تحمّل هذا العبء المتزايد.
في المقابل، يطرح كثيرون تساؤلات مشروعة حول دور الجهات المعنية في ضبط السوق. فالحديث يتكرر عن دور وزارة الاقتصاد وأجهزتها الرقابية، إلا أن حضورها على الأرض يبدو وكأنه صفر. فبحسب شكاوى المواطنين، لا تُرى الوزارة إلا عبر البيانات والمؤتمرات الصحافية، فيما تبقى الأسواق عمليًا مفتوحة أمام الفوضى والمخالفات.
وفي ظل هذا الواقع، يجد المواطن نفسه محاصرًا بين غلاء الأسعار وفوضى السوق وضغط الأزمات المتلاحقة، فيما يبقى السؤال الأبرز: إلى متى يستمر هذا الانفلات من دون تدخل فعلي يعيد الحد الأدنى من التنظيم إلى الأسواق ويضع حدًا لاقتصاد الفوضى الذي يدفع ثمنه الناس يومًا بعد يوم؟
إقرأ المزيد


