على خُطى السويداء… إدارة ذاتية للأكراد في الحسكة وكوباني
إرتكاز نيوز -

كتب فراس الشوفي في الأخبار: 

كالعادة، وبعد كلّ غزوة، تعلن الحكومة السورية الانتقالية عن اتفاق تقدّم فيه التنازلات السياسية، كالذي أعلنت عنه أمس، مع «قوات سوريا الديموقراطية». فاتفاق العاشر من آذار بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وقائد «قسد» مظلوم عبدي، الذي تضمّن تفاهماً «فضفاضاً» على دمج «قسد» في النظام الجديد من دون تفاصيل، جاء عشية مجازر الساحل وحمص وحماة التي بلغت ذروتها في 7 و8 و9 و10 آذار، وشكّل وقتذاك مخرجاً سياسياً للشرع بترتيب من السفير الأميركي في تركيا والمبعوث إلى سوريا توماس برّاك. أما اتفاق شبه «الإدارة الذاتية» للسويداء الذي وقّعه وزير الخارجية أسعد الشيباني، ونظيره الأردني أيمن الصفدي، في أيلول الماضي، فبدا بمثابة سلّم النجاة الذي رماه براك للشرع أيضاً، بعد «فخّ» مذابح تموز التي ارتكبتها قوات الشرع ومجموعات العشائر بحق سكّان المحافظة الجنوبية.

لم يكد الشرع يعلن قبل أيام عن مرسوم الاعتراف بغالبية مطالب الأكراد الثقافية، حتى أتى اتفاق الأمس ليكرّس إدارة خاصة للأكراد في محافظة الحسكة ومدينة كوباني على الضفة الشمالية الشرقية لنهر الفرات، تحت مسمّى «دولة واحدة» و«شعب واحد». وممّا لا شكّ فيه أن الشرع ومعه قيادة «هيئة تحرير الشام»، لم تكونا في وارد تقديم هذا الكمّ من التنازلات للأكراد في ظلّ الموقف التركي، لو لا الضغط الأميركي الذي ولّده تحرّك عضو الكونغرس ليندسي غراهام، ما أحرج برّاك والشرع، خصوصاً أن غراهام قدّم للكونغرس مشروعاً باسم «حماية الكرد»، يتضمّن فرض عقوبات على النظام السوري الجديد أقسى من تلك التي فُرضت على نظام الرئيس السابق بشار الأسد باسم «قانون قيصر». إذ إن الشرع ومن خلفه تركيا وضعا المهل بعد المهل أمام «قسد» لتسليم سلاحها تحت تهديد اجتياح الحسكة وعين العرب (كوباني) في أثناء الأسبوعين الأخيرين، ما أجّج الساحة الكردية في سوريا وتركيا والعراق، وحرّض جزءاً كبيراً من السوريين ضد الكرد. ثمّ عاد الشرع وانصاع للضغوط الأميركية والفرنسية، خشية فقدان دعم «الجمهوريين» في الكونغرس، خصوصاً مع الاستياء الذي سبّبه الهجوم على «قسد» بين «الديموقراطيين»، وعدم تحرّك الرئيس دونالد ترامب لوقفه، والاتهامات لبرّاك بتغطيته.

وفيما يضيف ترامب الاتفاق بين دمشق و«قسد» إلى جملة الأسباب التي تدفعه إلى الانسحاب من سوريا وتنفيذ وعوده التي أطلقها في ولايته الأولى، لأن «كل شيء في سوريا على ما يرام» وفق ما يردّده برّاك، لا يشكّل الإعلان الجديد جواباً كافياً عند جزء من قيادة «قسد» واللوبي الكردي في الخارج، الذي وسّع من نشاطاته في أميركا وأوروبا أخيراً، مستفيداً من حملات الشرع العسكرية. كما أن الصفقة تمثّل خذلاناً لجمهور الشرع الذي رفع من سقف توقّعاته بعد حملات التحريض التي غذّتها الحكومة السورية بين العرب السوريين، خصوصاً أنه يتضمّن تشكيل «قسد» فرقة من ثلاثة ألوية في الحسكة ولواء في كوباني تابعاً لفرقة حلب في الجيش السوري الجديد، وهي المعادلة نفسها التي كانت تطرحها «قسد»، وعنوانها تشكيل فرقة في الحسكة وأخرى في الرقة وثالثة في دير الزور – طبعاً قبل خسارة المناطق ذات الغالبية العربية والانسحاب منها من دون قتال -. فضلاً عن ذلك، تتضمّن الصفقة، بحسب المعلومات، انسحاب قوات الجيش الجديد إلى الشدادي والابتعاد عن خطوط التّماس مع «قسد».

وبينما لا يزال صدى الهجوم على شرق الفرات يتردّد في البرلمانات الأوروبية ويتفاعل داخل الولايات المتحدة، بدأ نظام الشرع الترويج لعملية عسكرية مماثلة تستهدف مرة جديدة محافظة السويداء بهدف «إدماجها» في الدولة الجديدة. لكن اعتبارات الشرق السوري تختلف اختلافاً جذرياً عن اعتبارات الجنوب؛ فمن تهيمن على الجنوب الآن هي إسرائيل التي تسعى إلى تثبيت حضورها هناك وقضم المزيد بذريعة حماية الدروز، وليس قوات «التحالف الدولي» التي تسعى إلى الانسحاب من الشرق.

والمفارقة أن ما قدّمه الشرع للأكراد هو ذاته ما كانت تطالب به السويداء – خصوصاً لناحية تولّي أبنائها الأمن في داخلها – ونالته في الاتفاق الأخير، لكن بعد مجازر مروّعة تجعل الحلّ السياسي شبه مستحيل في الظروف الحالية. ورغم حساسية الموقف في المحافظة الجنوبية والتدخّل الإسرائيلي المباشر، تستمر الحكومة الجديدة في محاولة فرض أسماء بالقوة، كسليمان عبد الباقي الذي كلّفه الشرع إدارة الأمن في السويداء، ورتّب له اللوبي السوري المؤيّد للحكومة الانتقالية زيارة إلى واشنطن، كممثّل للدروز. ويأتي ذلك كبديل من البحث عن صيغة لمحاسبة مرتكبي المجازر، وسحب ذرائع المطالبة بالانفصال والتدخّل الإسرائيلي من الشيخ حكمت الهجري.

وإذ يراهن الشرع على الضغوط الأميركية وعلى عقد اتفاق مع إسرائيل يتضمّن صفقة شاملة، ويسمح له بالدخول إلى السويداء، إلّا أن المؤشّرات الأولية التي أعقبت تطوّرات الشرق، تُظهر موقفاً إسرائيلياً أكثر تشدّداً تجاه السماح للشرع بالقيام بخطوة عسكرية في الجنوب.

وعلى أيّ حال، ينبئ استسهال الشرع فتح المعارك مع «الأقليات»، بحاجة النظام إلى البحث عن أعداء جدد باستمرار، أوّلاً لإلهاء الجمهور عن الأزمات الحقيقية التي تضرب مختلف نواحي الحياة، وثانياً لحرف الأنظار عن المهمة الأصعب وهي مواجهة تنظيم «داعش»، وإبعاد «هيئة تحرير الشام» عن الحكم وفق ما وعد به الشرع الغرب، وهي امتحانات لم تبدأ بجدّية حقيقية بعد.

يبقى أن التوصّل إلى الاتفاق لا يعني طيّ صفحة الملف الكردي، خصوصاً في ظلّ فقدان الثقة بين الجانبين، والخشية لدى الكرد من احتمال انقلاب الحكومة الانتقالية على التفاهم. ويضاف إلى ما تقدّم، أن موقف تركيا لا يزال غامضاً، في ظلّ سعي رئيسها، رجب طيب إردوغان، إلى التقدّم في مفاوضات السلام مع رئيس «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، ورغبته في تفادي أي مواجهة داخلية غير محسوبة في وقت دقيق إقليمياً ودولياً، الأمر الذي قد يفسر التساهل الأمني مع التظاهرات الكردية في داخل تركيا.



إقرأ المزيد