إضرارٌ بالمصالح الوطنية… لعُيون “توتال”!
آيم-لبنانون -

كتبت ندى أيوب في “الأخبار”:

احتفالُ السراي الحكومي أمس بتوقيع اتفاقية التنقيب عن الغاز في البلوك 8، بين الدولة اللبنانية وتحالف «توتال» الفرنسية و«قطر للطاقة» و«إيني» الإيطالية، هو في الأصح احتفال بضرب المصالح الوطنية الاستراتيجية. والسبب إرضاء «توتال» التي لعبت في السنوات الماضية أدواراً مشبوهة تسبّبت بتأخير لبنان سنواتٍ عن دخول نادي الدول النفطية، بالتكافل والتضامن مع أطراف داخلية، وهذه المرة بالتناغم مع وزير الطاقة جو الصدّي.

ففي 5 أيلول 2025، عرضت الشركة الفرنسية في إطار «جولة التراخيص الثانية» المنتهية، إجراء مسح سيزمي للبلوك 8 في ثلاث سنوات، من دون التنقيب في المدة الاستكشافية الأولى، خلافاً لما كان مُفترضاً أن تقوم به شركة «TGS» النروجية الأميركية، إذ كان مُقرّراً أن تبدأ بإجراء المسح نفسه في النصف الأول من أيلول، بعد حصولها على جميع التراخيص اللازمة من لبنان. وكان مسحها سيكون بكلفة صفر على الخزينة. فالشركة كانت ستتحمّل نصف كلفة المسح وتسويق البيانات عالمياً، ما كان سيحقّق إيرادات مباشرة للدولة. وكان التقرير النهائي سيكون جاهزاً في شهرين، أي قبل انتهاء دورة التراخيص الثالثة، ما كان سيُعزّز موقع لبنان التفاوضي مع «توتال» وأي شركة أخرى بمعرفة دقيقة.

لكنّ صدّي أجبر «TGS» على مغادرة المياه اللبنانية قبل بدء المسح، وأهدر بذلك مصلحة وطنية مؤكّدة، وعرّض لبنان لمطالبات تعويضية من «TGS» كونها تحمل تراخيص رسمية.
يضع توقيع الأمس، الصدّي تحت المُساءلة المباشرة، فهو المعنيّ الأول بسلسلة قرارات فردية مُريبة، إذ كان مسح «TGS» سيوفّر ثلاث سنوات، وكان البلوك سيكون جاهزاً للحفر فوراً، خلافاً لعرض «توتال» الذي يعطيها مهلة ثلاث سنوات لإجراء المسح نفسه.

كذلك، فإن الصدّي تصرّف كجهة فنية وتفاوضية منفردة، متجاوزاً بشكل خطير الصلاحيات القانونية لهيئة إدارة قطاع البترول (LPA). وتمثّلت المخالفات في: التفاوض المنفرد مع «توتال» في باريس وإصدار قرارات فنية أُحادية، مثل طرد «TGS»، من دون توثيق المبرّرات الفنية أو القانونية، والاكتفاء بالإشارة إلى «أسباب استراتيجية» غامضة. كما أن إرسال الصدّي بريداً إلكترونياً من خارج لبنان لـ«TGS» (يطلب فيه منها وقف أنشطتها)، يطرح إشكالية قانونية حول شرعية القرار الصادر، الذي كان يُفترض أن يكون اتّخاذه من صلاحية وزير الطاقة بالوكالة.

أيضاً، يُساءل الصدّي، عن التوقيع على اتفاقية تشوبها ثغرة قانونية، إذ إن المهلة الأصلية (30 يوماً) لتقديم الاتفاقية النهائية والكفالات من «توتال» انتهت في شباط 2024، إلّا أن الشركة ماطلت حتى نيسان 2025. فاعتمد الصدّي تأويلاً مرناً لقانون تعليق المهل، يعرّض الاتفاقية للطعن قضائياً.

قرارات الصدّي تركت تبعات ملموسة على لبنان، منها خسارة إيرادات مؤكّدة من بيع بيانات مسح «TGS»، في مقابل تحميل كلفة المسح الذي ستنفّذه «توتال» إلى «بترول الكلفة» المستقبلي، أي الدولة. والضرر يمتد إلى السمعة، فخضوع الصدّي لابتزاز «توتال» التي هدّدت بوقف أعمالها في لبنان في حال أجرت «TGS» المسح، ما دفع الصدّي إلى طردها، يبعث برسالة سلبية للمستثمرين العالميين، عن عدم استقرار البيئة التعاقدية في لبنان.

هذه النقاط تشكّل مضبطة اتهام واضحة، على الصعيد الإداري والقانوني وحتى السياسي. فهل سيُحاسب الصدّي أم أن خضوعه ينسحب على السلطة السياسية بأكملها، ومُغطّى من قبلها؟ يشار، ختاماً، إلى أن كل المعطيات تُفيد بأن «توتال» ستعلن قريباً تخلّيها عن البلوك 9، في مؤشّر إضافي إلى تعمّدها تأخير استخراج لبنان لثرواته الطبيعية.



إقرأ المزيد