ليبيا في اليوم العالمي للمفقودين: آلاف الغائبين بين مقابر مجهولة وذاكرة لم تندمل
بيروت تايم -
في الثلاثين من أغسطس، حيث يحيي العالم اليوم الدولي للمفقودين، تطل ليبيا بملفها المثقل بالغياب والانتظار. آلاف العائلات الليبية ما زالت تبحث عن أبنائها منذ أكثر من عقد، بين مقابر جماعية في ترهونة، وضحايا النزاعات المسلحة، ومأساة المهاجرين الغرقى، وكارثة فيضان درنة. مشهد مأساوي يصفه الليبيون بأنه "جرح لا يندمل"، فيما تقول الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين إن البلاد تسجّل أكثر من 7145 حالة فقدان موثقة حتى الآن.
السيوي لـ RT: أربعة ملفات كبرى تقود عمل الهيئة
رئيس الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، كمال السيوي، أوضح في حديث خاص لـ RT أن الملفات التي تعمل عليها الهيئة تتوزع على أربع قضايا رئيسية:
  1. مفقودو أحداث 2011 وما تلاها حتى 2019.
  2. المقابر الجماعية في مدينة ترهونة.
  3. مأساة المهاجرين الغرقى.
  4. ضحايا فيضان درنة في سبتمبر 2023.
rt
السيوي أكد أن ملف درنة وحده يضم أكثر من 3300 مفقود، أي ما يعادل نصف العدد الإجمالي للمفقودين في ليبيا.
قاعدة بيانات وراثية بـ19 ألف عينة DNA
وأشار السيوي في حديثه لـ RT إلى أن الهيئة تمكنت منذ 2021 من إنشاء قاعدة بيانات وراثية تضم أكثر من 19 ألف عينة DNA، جُمعت من ذوي المفقودين. وتُستخدم هذه العينات في المطابقة مع الجثامين المنتشلة من المقابر الجماعية أو الكوارث، وهو ما مكّن من التعرف على أكثر من 100 جثمان في مقبرة "بير السطى" بطرابلس وعشرات الجثامين في ترهونة.
rt
rt
rt
قصص العائلات: انتظار لا ينتهي
وراء الأرقام وجوه وذكريات لا تغيب. نجاة هرودة، إحدى السيدات من ترهونة، فقدت شقيقاتها الثلاث وشقيقين آخرين بعدما اختطفوا على يد ميليشيا الكانيات. نجاة تروي أنها تعرفت على جثث شقيقاتها الثلاث في إحدى المقابر الجماعية، لكن مصير شقيقيها ما زال مجهولًا حتى اليوم، لتبقى رحلتها في البحث عنهما مستمرة بلا نهاية. أما مصعب أبـوكليش، فيحمل بدوره جرحًا مفتوحًا. والده وثلاثة من أشقائه اختطفوا عام 2019 على يد الميليشيا ذاتها. وبرغم عمليات الانتشال التي أجرتها الهيئة، لم يُعثر على جثامين ذويه. أبوكليش يقول لـ RT إن هناك موقعًا في "مثلث الموت" بترهونة يُعتقد أنه يضم مقبرة جماعية تحوي نحو 60 جثمانًا، لكن الطبيعة الصخرية للمنطقة حالت دون استخراجها حتى الآن.
تحديات مالية وأمنية
السيوي أوضح لـ RT أن الهيئة تواجه صعوبات جدية أبرزها ضعف الدعم المالي اللازم لتشغيل المختبرات وتأمين المستلزمات الباهظة، إلى جانب التحديات الأمنية التي تعيق عمل الفرق الميدانية في بعض المناطق.
مقارنة دولية: تجارب تلهم ليبيا
على المستوى الدولي، تبقى تجارب مثل الأرجنتين التي أنشأت "فريق الأنثروبولوجيا الشرعي" للتعامل مع ضحايا الحقبة الديكتاتورية، والبوسنة والهرسك التي اعتمدت على قواعد بيانات DNA واسعة بعد حرب البلقان، نماذج ملهمة لليبيا. تلك الدول نجحت في إعادة أسماء وهويات لآلاف الجثامين، ورسخت مفهوم العدالة الانتقالية والحق في الحقيقة، وهو ما تطمح إليه الأسر الليبية اليوم.
خاتمة: ليبيا وذاكرة الغياب
في هذا اليوم، بينما تتذكر شعوب العالم مفقوديها، تعيش ليبيا مأساة يومية مع الغياب. هنا لا تُضاء الشموع في ساحات عامة فقط، بل في قلوب الأمهات والآباء، في دفاتر المدارس التي فقدت تلاميذها، وفي بيوت تحولت إلى أرشيف صور وأسماء. ملف المفقودين في ليبيا ليس مجرد قضية إنسانية، بل هو جرح وطني مفتوح وامتحان لذاكرة البلاد. وبينما تطالب العائلات بالحقيقة، يبقى السؤال الأكبر: هل تنجح ليبيا في تحويل الغياب إلى ذاكرة معترف بها، وتعيد للغائبين كرامتهم وللأحياء طمأنينة طال انتظارها؟

إقرأ المزيد