لماذا تخزن روسيا بعضًا من أقوى أسلحتها في القطب الشمالي؟
بيروت تايم -

beiruttime-lb.com|: هذا المقال يتناول موضوع "لماذا تخزن روسيا بعضًا من أقوى أسلحتها في القطب الشمالي؟" بالتفصيل.

موقع الدفاع العربي – 9 يوليو 2025: يقع خليج كولا، وهو امتداد مائي صغير شمال غرب روسيا، في صميم سباق عالمي محموم للسيطرة على القطب الشمالي. من هذا الموقع الاستراتيجي، تستطيع موسكو استخراج النفط والغاز والمعادن من أعماق المنطقة المتجمدة، وتصدير هذه الموارد، بل وحتى إطلاق صواريخ نووية على أي جهة قد تهدد طموحاتها في الشمال.

ويُعد هذا الخليج أيضاً موطناً لأكبر أسطول من كاسحات الجليد في العالم، تمتلكها روسيا، وهي مصممة لاختراق الجليد القطبي المتناقص. وعلى بُعد نحو 8 كيلومترات فقط من الخليج، يقع أكبر ميناء للشحن في القطب الشمالي، والذي قد يُستخدم مستقبلاً لتصدير الثروات المستخرجة من قاع المحيط. وعلى بعد 32 كيلومتراً شمالاً، توجد قاعدة بحرية تُخزن فيها روسيا بعضاً من أقوى غواصاتها النووية.

في ظل تراجع الجليد القطبي، باتت الموارد الطبيعية في المنطقة محط أنظار دول عديدة تتسابق لاستغلالها. ويُعد خليج كولا المحور الرئيسي في هذا السباق الروسي المحموم للهيمنة على القطب الشمالي.

زار أحد المراسلين المنطقة في عام 2021، ووصفها بأنها خلابة بطبيعتها وتضاريسها المتدرجة نحو الخليج، لكنها في الوقت نفسه منطقة مغلقة عسكرياً بشكل صارم، تعج بالمنشآت العسكرية والمناطق المحظورة. ويُجسد القطب الشمالي صورة مصغرة عن التوترات الجيوسياسية العالمية. ورغم ما يبدو عليه من عزلة جغرافية، إلا أن الصراعات فيه مرشحة للاندلاع كنتيجة لصدامات تنشأ خارج المنطقة وتتمدد إليها، وليس العكس.

يمتد الساحل الروسي على المحيط المتجمد الشمالي لمسافة تقارب 15 ألف كيلومتر، ويقع خليج كولا في شمال غرب هذا الامتداد، ما يمنحه وصولاً استراتيجياً إلى المحيطين القطبي الشمالي والأطلسي، فضلاً عن قربه من حدود دول حلف الناتو.

وقد شهدنا في السنوات الأخيرة عسكرة تدريجية للمنطقة، حيث تسعى روسيا إلى امتلاك القدرة على الرد العسكري السريع في حال شعرت بتهديد في أقصى شمالها. هذا التوجه يخلق سيناريوهات جديدة لموسكو وجيرانها من أعضاء الناتو.

أسطول الشمال الروسي، وهو فرع بحري مخصص للقطب الشمالي، يُعد أحد أقوى أذرع القوة النووية الروسية، ويضم غواصات تعمل بالطاقة النووية قادرة على حمل صواريخ باليستية. وتُخزن بعض هذه الغواصات في خليج كولا، مما يجعل من هذا الموقع قاعدة للرد النووي الثاني لروسيا، أي قدرتها على توجيه ضربة نووية مضادة في حال تعرضت لهجوم أولي.

وبفضل محركاتها النووية، يمكن لهذه الغواصات أن تبقى في عرض البحر لأشهر، بل قد تكون قادرة على البقاء في المياه إلى أجل غير مسمى. كما أن الجليد القطبي يشكل عنصراً محورياً في الاستراتيجية النووية الروسية، إذ يوفر غطاءً مثالياً لغواصاتها النووية للاختباء قبل تنفيذ أي هجوم.

وتعتمد موسكو في هذه المنطقة على ما يُعرف بـ”مفهوم الحصن” أو Bastion Concept، عبر إنشاء منطقة محصنة شمال خليج كولا، تحميها منظومات دفاع جوي، وغواصات متعددة الأنواع، ومقاتلات حربية. كل ذلك في سبيل تأمين غواصاتها النووية من أي تهديد محتمل.

ويلعب أسطول كاسحات الجليد الروسي، الذي يُعد الأكبر عالمياً، دوراً محورياً في هذه الاستراتيجية. إذ تحتفظ روسيا بالعديد من هذه السفن في خليج كولا لتسهيل الوصول إلى أعماق القطب الشمالي. هذه السفن قادرة على العمل في مختلف الفصول، وتجاوز طبقات الجليد المختلفة في السماكة والنوع، ما يمنح موسكو قدرة تحرك فريدة.

وللمقارنة، تمتلك روسيا نحو 40 كاسحة جليد، في حين لا تملك الولايات المتحدة سوى ثلاث فقط. ويُستخدم بعضها في البعثات البحثية لاكتشاف الثروات تحت الجليد، بينما تم تزويد البعض الآخر بأسلحة كالقذائف والمدافع والصواريخ.

قبل الحرب في أوكرانيا، كانت كييف تُزود روسيا بأجزاء مهمة لصناعة كاسحات الجليد. لكن الحرب قطعت هذا التعاون. بل إن إحدى المنشآت الأوكرانية، التي كانت تصنع محركات لهذه السفن، تعرضت لهجوم روسي أدى إلى توقف الإنتاج نهائياً.

وتسير كاسحات الجليد الروسية في مقدمة السفن التجارية التي تعبر “طريق بحر الشمال” الذي يربط آسيا بأوروبا. هذا الطريق أقصر من المرور عبر قناة السويس، وأصبح أكثر قابلية للاستخدام في ظل ذوبان الجليد.

وفي ظل ضعف البنية التحتية القطبية، ترى روسيا أن تطوير الطريق البحري الشمالي له أهمية مزدوجة: تجارية وعسكرية. ومن أبرز الموانئ التي تعوّل عليها موسكو في هذا المسعى، ميناء مورمانسك، الذي يُعد أكبر ميناء تجاري على الطريق وأحد الموانئ القطبية القليلة التي لا تتجمد شتاءً. وهذا ضروري للتعامل مع الحمولات الضخمة، خصوصاً فيما يتعلق بموارد الطاقة والمعادن التي تسعى روسيا لتصديرها.

وبينما فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على صادرات الفحم والنفط والغاز الروسية، افتتحت موسكو ميناءً جديداً لتوجيه صادراتها نحو آسيا، وعلى رأسها الصين. ويمكن نقل الفحم من وسط روسيا إلى شواطئ خليج كولا، ثم تصديره شرقاً. لكن موسكو تحرص، رغم هذا التعاون، على ألا تمنح بكين نفوذاً مفرطاً في المنطقة.

وقد شهد التعاون الروسي الصيني في القطب الشمالي تطوراً ملحوظاً، تجلى في استعداد موسكو خلال زيارة شي جين بينغ الأخيرة إلى فتح باب “الإدارة المشتركة” لطريق بحر الشمال، في تحول كبير في السياسة الروسية.

أما بالنسبة لدول حلف الناتو، فتتباين الرؤى حول كيفية التعامل مع هذا السباق القطبي. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، عبّرت عن طموحات كبيرة في القطب الشمالي، بل وطرحت فكرة شراء غرينلاند. في حين تسعى دول أخرى لبناء قدراتها العسكرية الذاتية، بدلاً من الاعتماد الكلي على واشنطن.

وتمثل منطقة خليج كولا نموذجاً مصغراً لقدرة روسيا على حماية مصالحها في القطب الشمالي، فهي تمتلك فيها كل ما يلزم من أنظمة تسليح وبنى تحتية استراتيجية لضمان السيطرة على المناطق الأكثر أهمية لها.

وفي الجانب التجاري، أعلنت كندا نيتها تطوير “الممر الشمالي الغربي” كممر تجاري بديل، إلا أن هذه المشاريع لا تزال بعيدة عن التنفيذ الفعلي.

كما صرّح أحد كبار التنفيذيين في شركة أسلحة أمريكية بأن القطب الشمالي يظل منطقة واعدة، لكنه أشار إلى أن المسألة مرهونة بمدى التزام واشنطن بتنفيذ خططها هناك، أو ترك روسيا تواصل تصدر المشهد.

وفي المحصلة، فإن ما يحدث في خليج كولا اليوم يرسم ملامح المرحلة المقبلة من سباق السيطرة على القطب الشمالي.

مصدر الخبر نشر الخبر اول مرة على موقع :www.defense-arabic.com بتاريخ:2025-07-09 18:48:00 ادارة الموقع لا تتبنى وجهة نظر الكاتب او الخبر المنشور بل يقع على عاتق الناشر الاصلي تم نشر الخبر مترجم عبر خدمة غوغل قد يتم نشر نرجمة بعض الاخبار عبر خدمة غوغل



إقرأ المزيد