بتوقيت بيروت - 6/9/2026 1:03:46 PM - GMT (+2 )
مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في 11 يونيو، تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى النسخة الأكبر في تاريخ البطولة، التي ستشهد مشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى، وتستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك عبر 16 مدينة مختلفة.
وتتقدم منتخبات فرنسا وإسبانيا وإنجلترا والأرجنتين قائمة المرشحين لحصد اللقب بفضل ما تملكه من نجوم بارزين مثل كيليان مبابي ولامين يامال وهاري كين وليونيل ميسي، إلا أن المنافسة على أرض الملعب لن تكون التحدي الوحيد أمام المنتخبات المشاركة، وفقًا لشبكة سي إن إن.
فإلى جانب الجوانب الفنية والتكتيكية، ستواجه الفرق مجموعة من التحديات البدنية واللوجستية المعقدة، تتراوح بين درجات الحرارة المرتفعة، والمسافات الشاسعة بين المدن المستضيفة، واضطرابات النوم الناتجة عن اختلاف المناطق الزمنية ومواعيد المباريات.
ويرى خبراء الأداء الرياضي أن المنتخب القادر على إدارة هذه العوامل بكفاءة قد يمتلك أفضلية حقيقية في سباق المنافسة على اللقب، وربما يكون التكيف مع الظروف المحيطة أكثر أهمية من امتلاك أكبر عدد من النجوم.
الحرارة المرتفعة.. هاجس يهدد اللاعبين
تُعد درجات الحرارة المرتفعة من أبرز المخاوف التي تحيط بالبطولة قبل انطلاقها، خصوصاً أن عدداً من المباريات سيُقام خلال فصل الصيف في مدن معروفة بمناخها الحار.
وفي سبتمبر 2025، نشرت منظمتا «فوتبول فور فيوتشر» و«كومون جول» تقريراً حول المناخ في الملاعب المستضيفة، خلص إلى أن 10 ملاعب من أصل 16 تواجه خطراً مرتفعاً للغاية يتعلق بالإجهاد الحراري الشديد.
وتزايدت المخاوف الشهر الماضي بعدما وجّه 20 خبيراً دولياً في مجالات الصحة والمناخ والأداء الرياضي رسالة مفتوحة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، اعتبروا فيها أن الإجراءات الحالية المتعلقة بدرجات الحرارة غير كافية، محذرين من إمكانية تعرض اللاعبين لمشكلات صحية وإصابات نتيجة الظروف المناخية.
من جانبه، أكد الاتحاد الدولي لكرة القدم أنه أخذ العوامل المناخية في الاعتبار عند إعداد جدول المباريات، مشيراً إلى أن الجدولة راعت تقليل السفر وزيادة فترات الراحة ومراعاة الخصائص المناخية والبنية التحتية لكل مدينة مستضيفة.
كما أوضح أن عدداً من المباريات الخارجية تم تحديده بعيداً عن أشد ساعات اليوم حرارة، مع الاستعداد لتفعيل بروتوكولات الطوارئ في حال حدوث ظروف مناخية استثنائية.
تأثير الحرارة
ويؤكد خبراء الأداء الرياضي أن تأثير الحرارة لا يقتصر على الإرهاق البدني فقط، بل يمتد إلى التركيز الذهني وسرعة اتخاذ القرار والقدرة على تنفيذ الجهد البدني المكثف طوال المباراة.
وقال أخصائي العلاج الطبيعي دومينيك راي، الذي يعمل مع نادي النصر الإماراتي حيث تتجاوز درجات الحرارة 40 درجة مئوية خلال الصيف، إن هناك ارتباطاً مباشراً بين الحرارة ومستويات الترطيب والأداء البدني والذهني.
وأضاف أن الاعتماد على فترات شرب المياه أثناء المباريات وحدها لا يكفي، مشدداً على أن عملية الترطيب تبدأ قبل المباراة بأيام، وأن إدارة الأحمال التدريبية وفترات الراحة تمثل عناصر لا تقل أهمية عن شرب السوائل.
ورغم أن جميع مباريات البطولة البالغ عددها 104 مباريات ستتضمن فترات استراحة إلزامية لشرب المياه، فإن المنتخبات مطالبة بوضع برامج متكاملة للتعامل مع الحرارة طوال فترة البطولة.
مسافات سفر غير مسبوقة
يمثل السفر أحد أبرز التحديات اللوجستية في كأس العالم 2026، إذ تُقام البطولة في ثلاث دول مختلفة وعلى مساحة جغرافية هائلة.
وللتخفيف من أعباء التنقل، قام الاتحاد الدولي بتوزيع المنتخبات على مناطق جغرافية غربية ووسطى وشرقية خلال معظم مباريات دور المجموعات والأدوار الإقصائية المبكرة، إلا أن ذلك لم يلغِ الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة.
فالملاعب الستة عشر المستضيفة تمتد على مسافة تقارب 2800 ميل، وهي مسافة تفوق الامتداد الجغرافي لأوروبا من الشمال إلى الجنوب.
ومن بين أبرز المنتخبات المرشحة للفوز، يبدو المنتخب الفرنسي الأقل معاناة من ناحية التنقل، إذ سيقطع خلال دور المجموعات نحو 334 ميلاً فقط بين نيوجيرسي وفيلادلفيا وبوسطن.
في المقابل، سيواجه المنتخب الإنجليزي تحدياً أكبر بقطع مسافة تصل إلى 1721 ميلاً بين أرلينغتون وماساتشوستس ونيوجيرسي، بينما سيضطر المنتخب الإسباني إلى السفر لمسافة 1469 ميلاً بين أتلانتا وزابوبان المكسيكية.
أما المنتخب البرازيلي فسيقطع نحو 1094 ميلاً خلال دور المجموعات، بينما يتمتع المنتخب الأرجنتيني حامل اللقب ببرنامج أقل إرهاقاً نسبياً، إذ تبلغ مسافة تنقلاته نحو 461 ميلاً فقط بين كانساس سيتي ودالاس.
ويرى دومينيك راي أن المشكلة لا تكمن في السفر نفسه، بل في كيفية التعامل مع تبعاته، مثل تنظيم التدريبات وأوقات تناول الطعام والنوم والاستشفاء.
كما أشار إلى أن الرحلات الجوية قد تؤثر سلباً على اللاعبين الذين يعانون من إصابات مزمنة أو حديثة، لافتاً إلى أن بعض اللاعبين قد يعانون من تورمات أو آلام متزايدة حتى خلال الرحلات القصيرة.
النوم.. العامل الخفي والعنصر الحاسم
رغم أن النوم يبدو عاملاً بسيطاً مقارنة بالتكتيك أو اللياقة البدنية، فإنه قد يتحول إلى أحد العناصر الحاسمة في بطولة تمتد عبر أربع مناطق زمنية مختلفة وتشهد 13 موعد انطلاق متنوعاً للمباريات.
وتقام نحو نصف مباريات دور المجموعات البالغ عددها 72 مباراة في أوقات تتراوح بين السابعة مساءً ومنتصف الليل بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وهو ما يعني أن العديد من اللاعبين الأوروبيين سيخوضون مبارياتهم في أوقات تعتبر بالنسبة لأجسامهم ساعات متأخرة جداً من الليل أو حتى قبيل الفجر.
ومن الأمثلة على ذلك المنتخب الإسباني، الذي سيخوض مواجهة أمام أوروغواي في زابوبان المكسيكية عند الثامنة مساءً بالتوقيت المحلي، وهو ما يعادل الثانية صباحاً في إسبانيا.
وتدرك بعض المنتخبات أهمية هذا العامل جيداً، إذ أشارت تقارير إلى أن المنتخب الإنجليزي اصطحب تجهيزات خاصة للنوم إلى مقره في كانساس سيتي، تشمل أغطية مراتب مصممة وفق احتياجات كل لاعب ووسائد تبريد تساعد على التعامل مع الحرارة والرطوبة.
ويؤكد خبراء الأداء أن النوم يمثل أهم وسائل التعافي بالنسبة للاعبين، إلى جانب التغذية والترطيب، وأن أي اضطراب في جودته قد ينعكس مباشرة على الحالة البدنية والذهنية خلال المباريات.
ويشدد دومينيك راي على ضرورة التزام اللاعبين بروتين النوم ذاته الذي اعتادوا عليه طوال الموسم، معتبراً أن الحفاظ على العادات اليومية يمثل أحد مفاتيح النجاح خلال البطولات الكبرى.
تفاصيل صغيرة قد تصنع الفارق
ورغم أن الموهبة والجودة الفنية والخطط التكتيكية ستبقى العامل الأهم في تحديد هوية بطل العالم، فإن الفوارق بين المنتخبات الكبرى أصبحت ضئيلة للغاية، ما يمنح العوامل البدنية واللوجستية وزناً أكبر من أي وقت مضى.
فبعد موسمين مزدحمين بالمنافسات الكبرى، شملت بطولة أوروبا وكوبا أمريكا 2024 وكأس العالم للأندية 2025، يدخل كثير من اللاعبين البطولة وهم يعانون بالفعل من ضغط بدني كبير.
ولهذا يرى خبراء الأداء الرياضي أن المنتخب القادر على إدارة عناصر التعافي والنوم والترطيب والسفر بشكل أفضل قد يمتلك أفضلية حقيقية عندما تتقارب المستويات الفنية.
وكما يقول دومينيك راي: “إذا كان لديك فريقان متساويان في القدرات مثل إسبانيا وفرنسا، فإن المنتخب الذي يدير هذه الركائز الأساسية بصورة أفضل ستكون لديه فرصة أكبر للتفوق عندما تحين اللحظات الحاسمة في البطولة”.
إقرأ المزيد


